الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٦
كون وجوده نابعاً من ذاته، و كون الوجود و العدم بالنسبة إلى ذاته متساويان، و هذا المِلاك موجود في حالتي البدء و البقاء، و أمَّا الحدوث فليس ملاكاً للحاجة فإنه عبارة عن تحقق الشيء بعد عدمه، و مثل هذا أمر انتزاعي ينتزع بعد اتصاف الماهية بالوجود، و مِلاك الحاجة يجب أن يكون قبل الوجود لا بعده.
إنَّ الحدوث أمر منتزع من الشيء بعد تحققه، و يقع في الدرجة الخامسة من محل حاجة الممكن إلى العِلّة. و ذلك لأن الشيء يحتاج أولا ثم تقترنه العلة ثانياً، فتوجده ثالثاً، فيتحقق الوجود رابعاً، فينتزع منه وصف الحدوث خامساً. فكيف يكون الحدوث مناط الحاجة الذي يجب أن يكون في المرتبة الأولى و قد اشتهر قولهم: الشيء قُرّرَ (تُصُوِّر)، فاحتاج، فأوجد، فُوجِد، فحَدَث.
وبعبارة ثانية: ذهب الحكماء إلى أنَّ مناط الحاجة هو كون الشيء (الماهية) متساوي النسبة إلى الوجود و العدم، و أنَّه بذاته لا يقتضي شيئاً واحداً من الطرفين و لا يخرج عن حد الإِستواء إلاَّ بعلة قاهرة تجره إلى أحد الطرفين، و تخرجه عن حالة اللاإقتضاء إلى حالة الإِقتضاء فإِذا كان مناط الحاجة هو ذاك (إن الشيء بالنظر إلى ذاته لا يقتضي شيئاً) فهو موجود في حالتي الحدوث و البقاء. و القول باستغناء الكون في بقائه، عن العلّة، دون حدوثه، تخصيص للقاعدة العقلية التي تقول: إِنَّ كل ممكن مادام ممكناً بمعنى ما دام كون الوجود غير نابع من ذاته يحتاج إلى علّة، و تخصيص القاعدة العقلية مرفوض جداً.
و يشير الحكيم المتألّه الشيخ محمد حسين الأصفهاني في منظومته إلى هذا الوجه بقوله:
و الإِفتقَارُ لازمُ الإِمكَانِ * منْ دُون حَاجَة إلى البُرْهَانِ
لاَ فَرْقَ ما بينَ الحُدوثِ والبَقا * في لازمِ الذَّات ولَنْ يَفْتَرِقا
الوجه الثاني: إنَّ القول بأنَّ العالم المادي بحاجة إلى العلّة في