الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٦
نعم، ربما يتوهم القاصر، دلالة الآيتين التاليتين على كونه سبحانه في السماء وأنَّه في جهة، وهما قوله سبحانه: (ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)[١].
ولكن المتأمل فيما تقدمهما من الآيات يخرج بغير هذه النتيجة فإنه سبحانه يقول قبلهما: (هُوَ الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ)[٢].
فهذه الآية تذكر نعمة الله سبحانه على أهل الأرض ببيان أنَّه جعل الأرض ذلولاً فسهل سلوكها، وهيأ لهم رزقه فيها، وعند ذلك ينتقل في الآية الثانية إلى ذكر أنَّ وَفرة النعم على البشر يجب أن لا تكون سبباً للغفلة والتمادي والعصيان، فليس من البعيد أن يخسف الأرض بهم، فإذا هي تمور وتتحرك وترتفع فوقهم كما ليس من البعيد أن ينزل عليهم ريحاً حاصباً ترميهم بالحصباء. فعند ذلك، عند معاينة العذاب، يخرجون من الغفلة ويعرفون الحق، وهذا هو هدف الآيات الثلاثة.
وأمَّا التعبير بـ(مَنْ في السَّمَاءِ) فيحتمل أن يراد منه مَنْ سُلْطانه وقدرته في السماء، لأنه مسكن ملائكته واللوح المحفوظ ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه. كما أنَّ منها ينزل رزق البشر، وفيها مواعيده: (وَ فِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَ مَا تُوعَدُونَ) فيصح التعبير بمن في السَّماء عن سلطانه وقدرته وكتبه وأوامره ونواهيه.
كما يحتمل أن يكون الكلام حسب اعتقادهم، بمعنى ءأمنتم مَنْ تزعمون أنَّه في السماء أن يعذبكم بخَسْف أو بحاصب، كما تقول لبعض المُشَبّهة: «أما تخاف مَنْ فَوقَ العرش أن يعاقبَك بما تفعل».
[١] سورة الملك: الآيتان ١٦ ـ ١٧.
[٢] سورة الملك: الآية ١٥.