الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨١
إنكار الكسب من محققي الأشاعرة
الأشاعرة و إن أصرّوا على نظرية الكسب إلاَّ أنَّ هناك رجالا منهم أدركوا جفاف النظرية و مضاعفاتها السيئة، فنقضوا ما أبرموه و أجهروا بالحقيقة. و نخص بالذكر منهم رجالا ثلاثة:
الأول: إمام الحرمين أبو المعالي الجُوَيْني (ت ٤٧٨ هـ)، فقد صرّح بتأثير قدرة العباد في أفعالهم، و أنَّ قدرتهم تنتهي إلى قدرة اللّه سبحانه، و أنَّ عالم الكون مجموعة من الأسباب و المسببات، و كل سبب يستمد من سببه المقدم عليه، و في الوقت نفسه يستمد ذاك السبب من آخر، إلى أن يصل ألى اللّه سبحانه و هو الخالق للأسباب و مسبباتها المستغني على الإطلاق»[١].
الثاني: الشيخ الشعراني (ت٩٧٣ هـ) و هو من أقطاب الحديث و الكلام في القرن العاشر فقد وافق إمام الحرمين في هذا المجال، و قال من زعم أنه لا عمل للعبد فقد عاند، فإن القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها و عدمها سواء.
و من زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك، فلابد أنه مضطر على الاختيار[٢].
الثالث: الشيخ محمد عبده (ت ١٣٢٣ هـ) فقد خالف الرأي العام عند الأشاعرة و صرّح بتأثير قدرة العبد في فعله و لم يبال في ذلك باعتراض رجال الأزهر الذين كانوا يُكَفّرون من قال بالعلّة الطبيعية أو بمطلق العلّة غيره سبحانه و يرددون في ألسنتهم قول القائل:
و من يَقُلْ بالطَّبْعِ أو بالعِلَّة * فذاك كُفْرٌ عند أهل المِلّة
[١] لاحظ نص كلامه في الملل و النحل، ج ١، ص ٩٨ ـ ٩٩ و هو بشكل أدق خيرة الحكماء و الإمامية جمعاء.
[٢] اليواقيت و الجواهر في بيان عقيدة الأكابر، للشعراني، ص ١٣٩ ـ ١٤١.