الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٤
عن وصول قدرة العبد إلى درجة التأثير و الإِيجاد، فإحداهما مطلقةو الأخرى مشروطة.
الدليل الخامس: إنَّ نسبة ذاته إلى جميع الممكنات على السوية فيلزم أن يكون تعالى قادراً على جميع الممكنات و على جميع مقدورات العباد.
و على هذا ففعل العبد إمَّا أن يقع بمجموع القدرتين، أعني قدرة اللّه و قدرة العبد، و إمَّا أن لا يقع بواحدة منهما، و إمَّا أن يقع بأحدى القدرتين دون الأُخرى و الأقسام الثلاثة باطلة، فوجب أن لا يكون العبد قادراً على الإِيجاد و التكوين[١].
يلاحظ عليه: إنَّ لعموم قدرته سبحانه تفسيرين:
١ـ أن يتحقق كل شيء بقدرته سبحانه مباشرة، و بلا واسطة كما هو الحال في الصادر الأول في جميع المذاهب.
٢ـ أن يتحقق بقدرة مفاضة منه إلى العبد، فيقوم العبد بإيجاده بحول و قوّة منه سبحانه، فالفعل مقدور للعبد بلا واسطة و مقدور للّه سبحانه عن طريق القدرة التي تفضل بها عليه و أقدر عبده بها على الفعل. فيكون الفعل فعل اللّه من جهة و فعل العبد من جهة أُخرى.
و بعبارة أخرى إنَّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه فالجليل و الحقير و الثقيل و الخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء قيامه بكل شيء مباشرة و خلع التأثير عن العلل و الأسباب، بل هو سبحانه يظهر قدرته و سلطانه عن طريق خلق الأسباب و بعث العلل نحو المسببات و المعاليل فالكل مخلوق له، و مظاهر قدرته و حوله.
فالأشاعرة خلعوا الأسباب و العلل و هي جنود اللّه سبحانه، عن مقام التأثير و الإِيجاد. كما أنَّ المفوضة عزلت سلطانه عن ملكه و جعلت بعضاً منه
[١] الأربعون للرازي، ص ٢٣٢.