الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٠٦
فيكون اختياره عن سبب اقتضاه و محدث أحدثه فإمَّا أن يكون هو أوغيره، فإن كان هو نفسه، فإمَّا أن يكون إيجاده للاختيار بالاختيار، و هذا يتسلسل إلى غير النهاية، أو يكون وجوداً لاختيار فيه لا بالاختيار فيكون مجبوراً على ذلك الاختيار من غيره، و ينتهي إلى الأسباب الخارجة عنه التي ليست باختياره»[١].
و أنت ترى أنَّ هذا البرهان لو صحّ لكان المادي و الإِلهي متساويين بالنسبة إليه. و حاصل هذا البرهان أنَّ الإِرادة تعرض للنفس في ظل عوامل داخلية و خارجية فيكون اجتماع تلك العوامل موجباً لظهورها على لوح النفس. و لأجل ذلك تتصف الإِرادة بالجبر لكون وجودها معلولا لتلك العوامل النفسانية و غيرها. فالفعل الإِختياري ينتهي إلى الإِرادة و هي تنتهي إلى مقدماتها من التصور و التصديق و الميل النفساني المنتهية إلى أشياء خارجة عن ذات المريد، نعم الإِلهي يرجع هذه المقدمات النفسانية أو الخارجية، بعد سلسلة الأسباب و المسببات إلى اللّه سبحانه، و المادي يرجعها إلى العوامل الموجودة في عالم المادية و لذلك ذكرنا هذا البرهان في فصل الجبر الفلسفي لا في الأشعري الذي ينسب الأشياء إلى اللّه سبحانه مباشرة، و لا في فصل الجبر المادي الذي لا يرى علّة للجبر إلاَّ العوامل المادى، بل ذكرناه في هذا الفصل الذي يمكن أن يكون مختاراً للإِلهي كما يمكن أن يكون مختاراً للمادي.
أقول: إنَّ هذا الإِشكال هو من أهم الإِشكالات في هذا الباب، و ربما نرى أنّ بعض الماديين لجأوا إلى تنمية هذا الإشكال بشكل يناسب أبحاثهم، و يصرون على أنَّ الإِرادة في الإِنسان تحصل باجتماع معدات و شرائط و مقدمات و بواعث يكون الإِنسان مقهوراً في إرادته، و إن كان يتصور
[١] الأسفار، ج ٦ ص ٣٩٠. و يظهر هذا الإشكال من الشيخ الرئيس في الفن الثالث من طبيعيات الشفاء و في أول العاشرة من إلهيات الشفاء. و قد نقل صدر المتألهين نصوصه في المصدر نفسه، فلاحظ.