الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٥
وثانياً: نفترض أنَّ الإِرادة في قوله سبحانه: (وَ مَا اللّه يُريدُ ظُلْمَاً لِلْعِبَادْ)[١] إرادة تكوينية، و تعرب الآية عن أنَّ إرادته لا تتعلق بالظلم، و لكن المراد هو المشيئة التكوينية المتعلقة بالشيء من جانبه سبحانه من دون أن يكون للعبد فيها دور، بأن يقوم سبحانه بنفسه بأعمال الظلم و البغي على العباد، فيعذب البريء المطيع و ينعم المجرم الطاغي، إلى غير ذلك من الأفعال التي يستقل العقل بقبحها و شناعتها. و اللّه سبحانه أعلى و أجلّ من أن تتسم إرادته بهذا العنوان.
و أمَّا مشيئته التكوينية المتعلقة بالأشياء لكن من خلال إرادة عباده و مشيئتهم، بحيث يكون لإِرادتهم دور في تحقق المتعلق و اتصافه بالبغي و الظلم، فالآية ليست نافية له. و ذلك أنَّ مشيئة العبد هي السبب الأخير لتعنون الفعل بالظلم و تلوّنه بالبغي، و لولاها لما كان عنهما خبر و لا أثر. و لأجل دور العبد و دخالته في تحقق القبائح و المحرمات نرى أنَّه سبحانه جعل ـ على ما في الحديث القدسي ـ حسنات العبد أولى إلى نفسه من العبد، و سيئاته على العكس، قال: «و ذلك أنا أولى بحسناتك منك و أنت أولى بسيئاتك مني»[٢]. و ما هذا إِلاَّ لأنه سبحانه قد هيّأ للعبد، تكويناً و تشريعاً، كل شيء يسعده فلم يصنع سبحانه إِلاَّ الجميل. فما أصابه من حسنة فمنه سبحانه لأنه عمل الجميل بمعدات جميلة واقعة منه سبحانه، في اختيار العبد، و إن ارتكب البغي و الظلم فقد ارتكب القبيح بالجميل الذي صنعه سبحانه له حيث تفضّل عليه بالمشيئة والاختيار والقدرة، ولكنه صرفها في غير محله فهو أولى بسيئاته من اللّه الجميل الفاعل له.
و باختصار، إنَّ فعل العبد لا يقع في ملكه تعالى إلاَّ بإرادته سبحانه جميع مقدماته التي منها اختيار العبد الموهوب من عنده سبحانه إليه، فتعلق مشيئته بأفعال العباد بمعنى أن اختبار العبد و حريته مراد للّه سبحانه، فهو
[١] سورة غافر: الآية ٣١.
[٢] التَّوحيد للصدوق أبواب المشيئة و الإِرادة، الحديث ٧، ص ٣٣٨.