الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٩
الإِنسان بالوراثة و الثقافة و البيئة، فإن ما تتركه هذه الأُمور من الآثار بما أنها خارجة عن اختيار الإِنسان يطلق عليها الذاتي. فقد عرفت أنَّ تأثير كل واحد من هذه العوامل الثلاث تأثير اقتضائي غير مفروض على الإِنسان، بل فوقه حرية الإِنسان واختياره، فله أن يزيل ما تركته و فرضته هذه العوامل بقوة و شدة. وقد اشبعنا الكلام في ذلك فيما مضى فلاحظ.
أضف إلى ذلك: إنَّ كثيراً من الملكات الصالحة أو الطالحة لا تحصل في الإنسان إلاَّ بتكرار العمل، فالشرير الذي يسهل عليه قتل الأبرياء، لم يكن يوم ولد بهذه الدَّرجة من الجناية و إنما أوجد تكرار العمل تلك الدرجة الخاصة التي يكون قتل الإِنسان و قتل البق عنده سواء. و هذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنَّ الملكات الصالحة أو الخبيثة التي يعبّر عنها بالسَّعادة و الشقاء، الباعثة إلى الأعمال المناسبة لها، إنما يكتسبها الإِنسان عن طريق تكرار العمل و مع ذلك فكيف تعد تلك الملكات أموراً ذاتية.
تقسيم الإِنسان إلى شقىّ وسعيد
إنَّه سبحانه يقسم مجموع الإِنسان إلى شقي وسعيد حيث يقول: (يَوْمَ يأتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيد)[١]. ولكنها لا تدل على أنَّ الشقاء و السعادة من الأمور الذاتية اللاّزمة للإِنسان لما عرفت من أنَّ ظرف الحكم هو الدنيا ولكن ظرف الإِتصاف في الآخرة. فاتصاف كل واحد بأحد الأوصاف لأجل الأعمال التي ارتكبها في حياته الدنيوية أو العقائد الباطلة التي اتصف بها فيها، ولأجل ذلك نرى أنَّه سبحانه يرتب على كون الإِنسان شقياً بأنَّ له في الحياة الأُخروية، زفير و شهيق، و على السعيد بأن له الجنة[٢].
و هذا يعرب عن أنَّ الزفير و الشهيق أو النعمة و الجنة من آثار الشقاء و السعادة كما أنهما من آثار تكذيب الأنبياء أو قبول دعوتهم إلى غير ذلك من
[١] سورة هود: الآية ١٠٥.
[٢] سورة هود: الآيتان ١٠٦ و ١٠٧.