الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٧
مورد الآية، و كثرة الثمار و شمول الخصب كما في مورد الفراعنة، و السيئة بقول مطلق كالهزيمة في مورد البحث و نقص الثمرات و عموم الجدب في مورد الفراعنة، كلها من اللّه سبحانه، إذ لا مؤثر في الوجود إلاَّ هو، و لا خالق غيره، فما يصيب الإِنسان مما يستحسنه طبعه، أو يسوؤه كله من اللّه تعالى، فهو خالق الأكوان و الحوادث، و إنَّ سلسلة الوجود تنتهي إليه سبحانه. و بذلك يعلم أنَّ المراد من الحسنة و السيئة نظير هذه الأُمور لا الأفعال الإِختيارية التي يقوم بها الإِنسان في حياته فالآيات الواردة في هذا المجال منصرفة عنه، فمقتضى التوحيد الأفعالي نسبة الكلّ إلى اللّه سبحانه. هذا هو وجه القضاء الأول.
و أمَّا الآية الثانية التي تفكك بين الحسنة و السيئة، فتنسب الأُولى إلى اللّه و السيئة إلى الإِنسان فإنما هي ناظرة إلى مناشئهما و مبادئهما، فلا شك أنَّ الإِنسان لا يستحق بذاته شيئاً من النعم التي أنعمها اللّه عليه، و أنَّ كل النعم و الحسنات تصيبه تفضلا من اللّه سبحانه و كرامة منه، ولأجل ذلك قال سبحانه: (مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنة فَمِنَ اللّه) و الخطاب و إن كان للنبي، ولكنه من قبيل الخطابات القرآنية التي يخاطب بها النبي و يقصد منها كل الناس; قال سبحانه: (لَئِنْ أَشْركْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرينَ)[١]. ومن هنا يركز القرآن على أنَّ مبدأ الحسنة هو اللّه سبحانه.
و أمَّا السيئة فهي و إن كانت من عند اللّه ولكن لو استقرأ الإِنسان مناشئ الهزائم و الإِنكسارات أو البلايا و النوازل يجد أن المجتمع الإِنساني هو المنشأ لنزولها، و أخذهم بها. قال سبحانه: (وَ لَوْ أنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَ الأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ)[٢]. و قد تقدم في البحث عند البداء ما يفيدك في المقام.
[١] سورة الزمر: الآية ٦٥.
[٢] سورة الأعراف: الآية ٩٦.