الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٢
و قد كان اليهود القاطنون في شبه الجزيرة العربية خير معين على إشاعة هذه الفكرة، بل منهم انبعثت.
نعم هناك رجال من أهل السنَّة و الجماعة، متحررون عن عقيدة الجبر و في مقدمهم الشيخ محمد عبده فقد ردّ على من نسب الجبر إلى الكتاب العزيز أو المسلمين عامة و قال: «إن القول بالجبر قول طائفة ضئيلة إنقرضت و غلب على المسلمين مذهب التوسط بين الجبر و الإختيار و هو مذهب الجد و العمل»[١].
و لا يخفى ما في كلام الأستاذ من الملاحظة فإن الأكثرية الساحقة من أهل السنَّة على مذهب الإِمام الأشعري، و سيوافيك نصوصه على القول بالجبر، فكيف يمكن أن يقال إنَّ الجبر قول طائفة ضئيلة.
و على كل تقدير فقد أجاد في هذا البيان و أبان القول الحق، كما سيوافيك.
الأمر الخامس: رؤوس المجبرة و أقطابها في العصور الإِسلامية الأولى
١ـ الجهميَّة
إعتبر أصحاب الملل و النحل الطائفة الجهمية[٢] أول طائفة قالت بالجبر، و وصفوها بالجبرية الخالصة، و كان جهم يخرج بأصحابه فيقفهم على المجذومين و يقول: «أُنظروا أرحم الراحمين يفعل مثل هذا!»، إنكاراً لرحمته. و كان يقول: «لا فِعْلَ و لا عَمَلَ لأحد غير اللّه، و إنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز»[٣].
[١] رسالة «هل نحن مسيرون أم مخيّرون»، ص ١١.
[٢] نسبة إلى جهم بن صفوان تلميذ الجعد بن درهم، الذي قتله خالد بن عبداللّه القسري سنة ١٢٤ هـ .
[٣] الفَرْقُ بين الفِرَقْ، ص ١٢٨.