الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦٠
غيلان بالاختيار استدعاه و قال له: ما تقول؟
قال: أقول ما قال اللّه.
قال: و ما قال اللّه؟
قال: إِنَّ اللّه يقول: (هل أتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً...)حتى انتهى إلى قوله سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّببيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً).
قال له عمر بن عبدالعزيز: إِقرأ.
فلما بلغ إلى قوله سبحانه: (وَ مَا تَشاؤون إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللّه إِنَّ اللّه كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)، قال: يا ابن الأتانة، تأخذ بالفرع و تدع الأصل!![١].
فهذه النصوص التاريخية تفيد
أولا: إن السلطة الأموية من لدن عصر معاوية إلى آخر حكّامها كانت تروّج فكرة الجبر، و تسوس من يقول بالاختيار بسياسة الإِرهاب و القمع، و تنكل بهم أشدّ التنكيل. و الغاية من إشاعة هذه الفكرة معلومة فإنها تخلق لهم المبررات لتصرفاتهم الوحشية و انهماكهم في الملذات و الشهوات و استئثارهم بالفيء، إلى غير ذلك من جرائم الأعمال و مساوئها.
و ثانياً: إِنَّ معبد الجهني في العراق و تلميذه غيلان الدمشقي في الشام كانا يتبنيان فكرة الاختيار و نفي الجبر لا فكرة نفي القدر و القضاء الواردين في القرآن الكريم. و الشاهد على ذلك أنَّ معبد الجُهَني دخل على الحسن البصري و قال له: يا أبا سعيد إِنَّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين و يأخذون أموالهم و يقولون إنما تجري أعمالنا على قضاء اللّه و قدره. فقال له الحسن البصري: كذب أعداء اللّه. انتهى. و من المعلوم أنَّ الحسن البصري لم يكن ينكر ما جاء في الكتاب العزيز من أنَّ: (وَكل شَيء فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ * وَ كُلّ صَغِير وَ كَبير مُسْتَطَرٌ)[٢]. و غير ذلك من الآيات التي مضت
[١] لاحظ الشيعة بين الأشاعرة و المعتزلة، ص ١٧٤.
[٢] سورة القمر، الآيتان ٥٢ ـ ٥٣.