الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧١
مباشرة، و ليس لقدرة العبد فيها دور. و لأجل إيقاف الباحث على مدى وهن هذه الحجج نأتي ببعضها منهم.
الدليل الأول: إنَّ المؤمن ليس موجداً لإِيمانه كما أنَّ الكافر ليس موجداً لكفره، لأن الكافر يقصد الكفر بما أنه أمر حسن، ولكنه في الحقيقة قبيح، كما أنَّ المؤمن يقصد الإِيمان بما أنه غير متعب و هو ليس كذلك. فينتج أنَّه إذا لم يكن المحدث للإِيمان و الكفر بما لهما من الخصوصيات، شخص المؤمن و الكافر، يكون المحدث هو اللّه سبحانه[١].
يلاحظ عليه: أولا: بالنقض بأنه لو صحّ هذا الدليل لوجب القول بأنَّ شارب الماء الذي يتخيّل أنَّه خمر، لم يشرب ماءً و لم يصدر منه عمل و لا فعل لأنَّهُ قصد شرب الخمر و كان الواقع شرب الماء، فَما وَقَعَ لَمْ يُقْصَدْ و ما قُصِدَ لَمْ يَقَعْ.
و ثانياً: إنَّ ما ذكره خلط بين الصفات الواقعية الحقيقية و الصفات الانتزاعية. فالأولى كالحرارة و البرودة تحتاج إلى محدث كما يحتاج موصوفها إليه كذلك. و أمَّا الثانية كالصِّغَر و الكِبَر المنتزعين من مقايسة شيء إلى شيء، لأن هذه الأوصاف من مصنوعات الذهن ومخترعاته، فالجسم الذي هو بقدر ذراع أكبر من الجسم الذي على نصفه، و الفاعل يوجد ذات الجسمين لا وصفهما و إنما ينتقل الإِنسان إليهما عند المقايسة، و على ضوء ذلك فالموجد للإِيمان إنما يوجد نفس الإِيمان و الموجد للكفر يوجد ذات الكفر، و أمَّا كون الأول مؤلماً متعباً، و الثاني قبيحاً فلا يحتاج إلى فاعل سوى الموجد الذي أوجد ذات الإيمان أو الكفر. فإن الوصفين أعني كون الإِيمان متعباً و كون الكفر قبيحاً إنما يحصلان عند المقايسة، فالإِيمان بما أنَّه يجعل الإِنسان مسؤولا أمام اللّه أولا، و أمام الناس ثانياً، يستتبع الإِتعاب. و الكفر بما أنَّه على خلاف
[١] اللمع، ص ٧١ ـ ٧٢. و عبارة اللمع غير خالية عن البسط المملّ و التعقيد المخل، و ما ذكرناه ملخّص مراده.