الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٩
البعض الآخر[١].
و لا يخفى أنَّ امتناع التَّرَجُّح من غير مرجح (كامتناع تحقق الممكن بلا علّة) و امتناع التَّرْجِيح بلا مرجح من باب واحد، و القول بالامتناع في الأول يستلزم الامتناع في الثاني. و ذاك لأن أصل الفعل كما لا يتحقق بلا علة، فكذلك الخصوصيات لا تتحقق إلاَّ معها، فالجائع بالنسبة إلى الرغيفين و الهارب بالنسبة إلى الطريقين كذلك، فكما أنَّ صدور أصل الأكل و الهرب يحتاج إلى علّة، لامتناع وجود الممكن بلا سبب، كذلك تخصيص أحد الرغيفين بالأكل و ترك الآخر، بما أنَّه أمر وجودي يحتاج إلى علّة. والقول بأنَّ وجود أصل الفعل يتوقف على علّة دون خصوصياته، يرجع إلى القول بوجود الممكن ـ و لو في بعض مراتبه ـ و تحققه بلا علّة. و لأجل ذلك يقول المحققون إنَّ مآل تجويز الترجيح بلا مرجح إلى تجويز التّرَجُّح بلا مرجح. فلازم هذا الجواب أنَّ الخصوصية لا تطلب العلّة، و هذا انخرام للقاعدة العقلية، من حاجة الممكن إلى علّة.
و أمَّا التمثيل برغيفي الجائع و طريقي الهارب، فلا شك أنَّ للفعل و الخصوصية هناك مرجح و هو أنَّ الإِنسان العادي يجد في نفسه ميلا إلى جانب اليمين من كل من الرغيف و الطريق، فالميل الطبيعي يكون مرجحاً لانصراف الإِرادة إليه دون طرف اليسار. نعم ربما ينعكس لأجل طوارئ في الواقعة تلتفت إليها النفس فتختار ما في جانب اليسار[٢].
[١] المحاضرات، ج ٢، ص ٤٧ ـ ٤٩. و يظهر ذلك الجواب أيضاً من العلاّمة في (نهج المسترشدين) لاحظ إرشاد الطالبيين ص ٢٦٦.
[٢] ثم إنَّ للمحقّق الطوسي في المقام كلاماً و هو: «الوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب». و قد جعله العلاّمة جواباً عن الاستدلال الذي نقلناه عن الأشاعرة. و الظاهر أنَّ هذه العبارة ناظرة إلى تحليل دليل آخر للقائلين بالجبر و هو أنَّ القاعدة الفلسفية المسلمة أعني «الفعل ما لم يجب لم يوجد»، تقتضي صدور الفعل عن الإِنسان عن وجوب و اضطرار. و هذا لا يجتمع مع القول بالاختيار. فأجاب عنه المحقق الطوسي بأنَّ الوجوب العرضي للداعي لا ينافي القدرة و الاختيار فالفعل بالنظر إلى قدرة العبد ممكن، و بالنظر إلى داعيه واجب، و ذلك لا يستلزم الجبر. فإنَّ كل قادر يجب صدور الأثر منه عند وجود الداعي كالواجب.
و أنت تعلم أن هذا الجواب يمكن أن يكون رافعاً للشبهة الثانية أعني وجوب الفعل عند وجوب العلّة، و لا يكون قالعاً لما نحن فيه من الإشكال لأن كلام الأشاعرة مركز على أن هذا الداعي يوجد في النفس لا من جانب الإِنسان بل من جانبه سبحانه و معه يكون الفعل واجباً ضرورياً خارجاً عن الاختيار، فالقول بأنَّ الفعل واجب بالنظر إلى الداعي و هو لا ينافي القدرة و الإِمكان بالنظر إلى نفس الفعل، لا يرتبط بالإِشكال. نعم يمكن أن تكون عبارة المحقق جواباً نقضياً عن استدلال الأشاعرة ببيان أن ما ذكرتموه من الدليل في حق الإنسان قائم في حقه سبحانه حرفاً بحرف كما نوّه به العلاّمة في (كشف المراد) و أوضحه شارح (المواقف) فلاحظهما. و قد خلط شيخنا المظفر في تقرير استدلال الأشاعرة، بين الدليلين. فلاحظ (دلائل الصدق)، ج ١، ص ٥١١.