الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٧
قلنا: لا كلام في قوة هذا الكلام و متانته، إلاَّ أنه لما ثبت (من جانب) بالبرهان أنَّ الخالق هو اللّه تعالى و ثبت (من جانب آخر) بالضرورة أنَّ لقدرة العبد و إرادته مدخلا في بعض الأفعال كحركة اليد دون البعض كحركة الارتعاش، إحتجنا في التفصي عن هذا المضيق إلى القول بأنَّ اللّه تعالى خالق و العبد كاسب»[١].
يلاحظ عليه: إنَّه بعد لم يخرج عن هذا المضيق بل قال بأصلين متعارضين، فإذا ثبت بالبرهان أنَّه لا خالق إلاَّ هو تعالى، و فسّرت خالقيته العامة بكونه فاعلا مباشراً لكل فعل، لم يبق لتأثير قدرة العبد مجال. فالقول بالأصلين جمع بين المتعارضين.
و بعبارة ثانية، إنَّ الخلق بتمام معنى الكلمة، إذا كان راجعاً إليه و لا تصح نسبته إلى غيره كيف يكون للقوة المحدثة في العبد تأثير، فلو كان لها تأثير يكون الفعل مخلوقاً للعبد أيضاً لا للّه وحده.
و باختصار، لو كانت القدرتان في عرض واحد، فإنه يستلزم اجتماع القدرتين على مقدور واحد. و لو كانت قدرة العبد في طول قدرة اللّه سبحانه، يلزم كون الفعل مخلوقاً للعبد أيضاً، و هم يفرون من نسبة الخلق و الإِيجاد إلى غير اللّه سبحانه.
و منهم: القاضي الباقلاني فقال: «قد قام الدليل على أنَّ القدرة الحادثة لا تصلح للإِيجاد، لكن ليست الأفعال أو وجوهها و اعتباراتها تقتصر على جهة الحدوث فقط، بل ها هنا وجوه أُخر هي وراء الحدوث». ثم ذكر عدّة من الجهات و الاعتبارات، و قال: «إنَّ الإِنسان يفرّق فرقاً ضرورياً بين قولنا: «أوجد»، وقولنا: «صلى» و «صام» و «قعد» و «قام». و كما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى، فإذا جاز لكم إثبات
[١] شرح العقائد، النسفية، ص ١١٥.