الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٣
واحداً إلى المؤمنين و خالقهم. و لا تصح تينك النسبتين إلاَّ على هذا المنهج، و إِلاَّ ففي منهج الجبر لا تصح النسبة إلاَّ إليه سبحانه، وفي منهج التفويض على العكس، و المنهج الذي... النسبتين هو منهج الأمر بين الأمرين، على البيان الماضي.
قال الرازي الأشعري المذهب: «احتجّ... أنَّ فعل العبد مخلوق للّه تعالى بقوله: (يعذّبْهُم اللّه بأيدِيكم)، فإن المراد من هذا التعذيب القتل و الأسر. و ظاهر النّص يدل على أنَّ ذلك القتل و الأسر فعل اللّه تعالى، إلاّ أنَّه تعالى يدخله في عالم الوجود على أيدي العباد و هو صريح قولنا و مذهبنا»[١].
يلاحظ عليه: أنَّ الآية ليست بصريحة و لا ظاهرة في الدلالة على مذهب الأشاعرة، فإنّ مذهبهم أنّ العباد بمنزلة الآلات المحضة بل أدون منها حيث لا تأثير لإِرادتهم و قدرتهم، و هي قابلة للإِنطباق على مذهب العدلية، بمعنى أنَّه سبحانه ينفذ إرادته من طريق إرادة المؤمنين لكونهم خاضعين له كخضوع العبد للمولى و المأمور للآمر. و قد شاع قولهم في التمثيل بـ «فتح الأمير المدينة»، مع أنَّ الفاتح هو الجيش، لكن بأمر الأمير.
ثم إنَّ الجُبّائي من المعتزلة أجاب عن استدلال الأشاعرة بأنَّه لو صحّ أن يقال: إنَّه يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين لجاز أن يقال: إنَّه يكذب أنبياءه بألسنتهم، ويلعن المؤمنين و يسبّهم بأفواههم، لأنَّ المفروض أنَّ اللّه خالق لذلك كله في كلا الجانبين.
و العجب أنَّ الرازي قال في جواب الجُبّائي: «و أجاب أصحابنا عنه فقالوا أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلاَّ أنا لا نقوله باللسان»![٢].
٣ـ هناك آيات نسب الفعل الواحد في آية منها إلى اللّه سبحانه و في
١ ـ مفاتيح الغيب، ج ٤، ص ٤١٨، الطبعة الأولى ١٣٠٨.
[٢] مفاتيح الغيب، ج ٤، ص ٤١٨، الطبعة الأولى ١٣٠٨.