الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٨
و بذلك يسهل عليك فهم ما جاء في الآية التالية من التفريق بين الهداية و الضّلالة حيث يقول سبحانه: (قُلْ جَاءَ الحَقُّ و ما يُبْدِىءُ الباطِلُ وَ مَا يُعِيدُ * قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلى نَفْسي * وَ إِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحي إِلىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)[١] فترى أنَّه سبحانه يَأْمُر عَبْدَهُ بأن ينسب الضلالة إلى نفسه و الهداية إلى ربِّه، مع أنَّه سبحانه ينسبهما في آيات أُخرى إلى نفسه و يقول: (فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُو العَزِيزُ الحَكِيمُ)[٢]. و ما هذا إلاَّ لأن الهداية و الضلالة بما أنهما من الأمور الواقعية في الكون تنتهي وجوداً إلى اللّه سبحانه، فينسبهما من حيث الوجود إلى نفسه سبحانه. و أمَّا من حيث المناشئ و الحوافز التي تنزلهما إلى العبد، فبما أنَّ الهداية نعمة من اللّه سبحانه لا يستحقها الإِنسان بذاته، بل تعمه كرامة منه تعالى، فينسبها إلى اللّه تعالى من هذه الجهة و يقول: (و إِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحي إِلىَّ رَبِّي).
و بما أنَّ الضلالة نقمة يستحقها الإِنسان لتقصيره في اتباع الرسل و الإِهتداء بالكتب، صارت أولى بأن تنسب إلى العبد، و يقول: (قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أضِلُّ عَلى نَفْسي).
و بهذا البيان يرتفع ما يتراءى من الإِختلاف بين نظائر هذه الآيات. و بكلمة واحدة، إنَّ الآيات من حيث المساق مختلفة، فعندما يلاحظ الظاهرة ـ سواء أكانت حسنة أو سيئة، هداية أو ضلالة ـ بما أنَّها من الأمور الواقعية الإِمكانية، لا تتحقق إلاَّ بالإِنتماء إلى الواجب تعالى و الصدور منه، ينسبها إلى اللّه تعالى. و عندما يلاحظها من حيث المناشئ و الدواعي التي تنزلها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فليس للحسنة و الهداية منشأ إلاَّ اللّه تعالى، كما أنَّه ليس للسيئة و الضلالة منشأ، سوى تقصير العبد في حياته كما عليه الآيات الكثيرة. و لأجل ذلك نرى أنَّ الحديث القدسي المنقول عن
[١] سورة سبأ: الآيتان ٤٩ و ٥٠.
[٢] سورة إبراهيم: الآية ٤.