الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٦
النظرية حتى تخرج عن الجبرية الخالصة التي تتبناها الجهمية. و الحافز لإِضافة هذا الأمر ليس إلاَّ الخروج عن مضيق الجبر إلى فسيح الاختيار لكن مع الالتزام بالأصل الثابت عندهم أعني كونه سبحانه خالقاً «لكل شيء مباشرة و بلا واسطة». و المهم هو الوقوف على حقيقة هذه النظرية، فقد اضطربت عبارات القوم في تفسيرها إلى حدّ صارت من الألغاز حتى قال الشاعر فيها:
مما يُقَال وَ لا حقيقَة عِنْدَهُ * معقولة تدنو إلى الأفهام
الكَسْبُ عند الأشعرىّ، و الحَالُ * عند البَهْشَمِي، و طَفْرَةُ النَّظَّام[١]
وها نحن نأتي فيما يلي بنصوصهم في المقام:
أ ـ الكسب: وقوع الشيء من المكتسب له بقوة مُحْدَثة
إنَّ جماعة من الأشاعرة فسّروا الكسب بتأثير قدرة العبد المحدثة في الفعل و يظهر هذا التفسير من عدة:
منهم: الشيخ الأشعري حيث يقول عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية و الحركة الاكتسابية: «كما كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لأن حقيقة الكسب هو أنَّ الشيء وقع من المكتسب له بقُوة مُحْدَثَة»[٢].
و منهم: المحقق التفتازاني حيث يقول في شرح (العقائد النَّسَفيّة):
«فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلا بالاختيار إِلاَّ كونه موجداً لأفعاله بالقصد و الإِرادة، و قد سبق أنَّ اللّه تعالى مستقل بخلق الأفعال و إيجادها، و معلوم أنَّ المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين.
[١] القضاء و القدر لعبد الكريم الخطيب المصري، ص ١٨٥.
[٢] اللمع، ص ٧٦، و لا يخفى أن ما نسبه إليه صاحب (شرح المواقف) في المقام و إن كان أوفق بمنهج الأشعري لكنه ينافي ما ذكره الشيخ في (اللمع). و قد ذكرنا كلام الشارح في صدر البحث فلاحظ.