الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٢
و إن شئت فاستوضح الحال بأفعاله سبحانه، فإنها كلها اختيارية لكن لا بمعنى كونها مسبوقة بالإرادة التفصيلية الجزئية الحادثة لكونه سبحانه منزّهاً عن مثل هذه الإرادة، و قد عرفت أنَّ حقيقة إرادته و واقع كونه مريداً هو كونه فاعلا مختاراً بالذات، فلأجل ذلك تصبح أفعاله سبحانه في ظل هذا الاختيار الذاتي، أفعالا اختيارية و النفس الإِنسانية في خلاقيتها بالنسبة إلى الصور العلمية و الإِرادة التفصيلية مثال للواجب سبحانه، (وَ للّه المَثَلُ الأعْلى وَ هُوَ العَزِيز الحَكِيمُ)[١].
و ما اشتهر من أنَّ ملاك الفعل الاختياري السبق بالإِرادة، فإنَّما هو ناظر إلى الأفعال الجوارحية الصادرة من الإنسان عن طريق الأسباب و الآلات و لا يعم كل فعل اختياري.
و يمكن أن يقال: إنَّ تعريف الفعل الاختياري بسبق الإِرادة من قبيل جعل ما بالعرض مكان ما بالذات، بل المِلاك في كونه فعلا اختيارياً للإِنسان هو انتهاء الفعل إلى فاعل مختار بالذات، و صدوره عنه بالإرادة. غير أنَّا لتسهيل الأمر على الطلاّب نتوافق على هذا التعريف في مورد الأفعال الجوارحية لا مطلقاً.
إلى هنا خرجنا بهذه النتائج:
١ـ إنَّ الأفعال النفسانية تصدر عن النفس لا بإرادة مسبقة بل يكفي في صدورها الإِختيار الذاتي الثابت للنفس.
٢ـ إنّ هذه الأفعال كما هي غير مسبوقة بالإِرادة غير مسبوقة بمبادئها أيضاً، فليس قبل صدورها تصوّر و لا تصديق ولا شوق و لا عزم و لا جزم.
٣ـ إنَّ الأفعال القلبية اختيارية للنفس بمِلاك الاختيار الذاتي الثابت لها.
[١] سورة النحل: الآية ٦٠.