الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٨
٢ـ الاختيار بمعنى تكوُّن الإِنسان بلا لون و ماهية، و أَنَّه مذ يرى النور يوجد بلا خصوصية و لا نفسية خاصة، بل يكتسب الكل بإرادته و فعله، لأنه لو ظهر على صفحة الوجود مع الخصوصية المعينة لزم كونه مجبوراً في الحياة، و هذا هو منطق الوجوديين في الغرب.
و بذلك تقف على أنَّ المعتزلة تنطلق من مبدأ العدل، كما أنَّ الوجوديين ينطلقون من مبدأ تكون الإِنسان بلا لون و لا ماهية.
٣ـ الاختيار بمعنى الأمر بين الأمرين لا على نحو الجبر و لا على نحو التفويض. و هذا هو موقف القرآن الكريم و أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ كما سيوافيك شرحه.
و بذلك تقف على أنَّ الجبر لا يختص بالإِلهي بل يعمه و المادي، كما أنَّ الاختيار مثله. فالإِلهي و المادي تجاه هذه المسألة متساويان و الاختلاف في ذلك ينطلق من الطرق التي يسلكها المستدل، فيلزم لتوضيح البحث إفراد كل واحد من هذه المناهج عن البقية حتى يكون الباحث على بصيرة.
الأمر الرابع: الجبر على مسرح التاريخ الإسلامي
الآيات القرآنية و المأثورات التاريخية تشهد بأن فكرة الجبر كانت موجودة قبل الإِسلام و قد ذكرنا بعض الآيات الدالّة على أنَّ المشركين كانوا معتقدين بذلك عند البحث عن القضاء و القَدَر.
و من المؤسف أن يكون الاعتقاد السائد بين بعض أهل الحديث هو القول بالجبر لعلل سياسية من السلطات الغاشمة، و احتكاكات ثقافية مشبوهة بين المستسلمين من الأحبار و الرهبان، و المسلمين. و قد وقفت على بعض النصوص في ذلك فيما مضى. و إليك ما له صلة بهذا المقام.
١ـ نقل القاضي عبدالجبار عن أبي علي الجبّائي في كتاب (فضل الاعتزال): «ثم حدث رأي المجبرة من معاوية لما استولى على الأمر،