الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١١٥
إلاَّ نفسه وذاته. وهذا لا يصحّ إلاّ أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص.
وأمَّا الآية الثانية، فلأنَّه وصف الوجه بقوله: (ذُو الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ). بمعنى ذو الطَّول والإِنعام وما يقاربه. ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الربّ لا من صفات الوجه، أعني الجزء من الكل. ولو كان الوجه هنا، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول: «ذي الجلال والإِكرام» حتى يقع وصفاً للربّ لا للوجه.
ويشهد على ذلك قوله سبحانه: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَ الإِكْرَامِ)[١]. فلما كان الاسم غير المسمّى وصف الرب بقوله (ذِي الْجَلاَلِ) ولم يصف الاسم به وإلاَّ لقال «ذو الجلال».
فإذا تبين أنَّ الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات، أفهل يجتمع قوله: (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) مع كونه جسماً محدداً في جهة خاصة وموجوداً فوق العرش، متمكناً فيه أو جالساً عليه، وما أشبه ذلك ممَّا يوجد في كلمات المُجَسِّمة ومن هو منهم، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم؟
٤ ـ يقول سبحانه وتعالى: (فَاطِرُ السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَ مِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[٢].
إنَّ الآية بصدد نفي التشبيه على الإِطلاق، وليس من كلمة أجمع من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء). أو لَيْس القول بكونه جسماً ذا جهة ومحل، موجوداً فوق العرش متمكناً فيه أو جالساً عليه، تشبيه للخالق بالمخلوق؟ صدق الله العلي العظيم إذ قال: (وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)[٣]. فما هذا الصمم والعمى في الأسماع والأبصار والقلوب؟!!
[١] سورة الرحمن: الآية ٧٨.
[٢] سورة الشورى: الآية ١١.
[٣] سورة الأنعام: الآية ٩١.