الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٩
و الكيميائية، فالعليّة هناك تبدل المادة إلى غيرها في ظل شرائط و خصوصيات توجب التبدّل و ليس هناك حديث عن الإيجاد و الإِعطاء.
و على ذلك فالتفويض أي استقلال الفاعل في الفعل يستلزم انقلاب الممكن و صيرورته واجباً في جهتين:
الأولى: الإِستغناء في جانب الذات من حيث البقاء.
الثانية: الإِستغناء في جانب نفس الفعل مع أنَّ الفعل ممكن مثل الذات.
الوجه الرابع: إنَّ القول بالتفويض يستلزم الشرك، أي الإِعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما العلّة العليّا التي أحدثت الموجودات و الكائنات و الإِنسان، و الأخرى الإِنسان بل كل الكائنات فإنها تستقل بعد الخلقة و الحدوث في بقائها أولا و تأثيراتها ثانياً.
فلو قالت المعتزلة بالتفصيل بين الكائنات و الإِنسان و نسبت آثار الكائنات إلى الواجب بحجة أنها لا تنافي العدل دون الإِنسان، يكون التفصيل بلا دليل.
ثم إنَّ القوم استدلوا على المسألة العقلية (غناء الممكن في بقائه عن العلّة) بالأمثلة المحسوسة، منها: بقاء البناء و المصنوعات بعد موت البنّاء و الصانع، ولكن التمثيل في غير محلّه لأنَّ البنّاء و الصانع فاعلان للحركة أي ضم بعض الأجزاء إلى بعض و الحركة تنتهي بانتهاء عملهما فضلا عن موتهما. و أمَّا بقاء البناء و المصنوعات فهو مرهونٌ للنظم السائد فيهما فإن البناء يبقى بفضل القوى الطبيعية الكامنة فيه، التي أودعها اللّه سبحانه في صميم الأشياء فليس للبنَّاء و الصانع فيها صنع، و أمَّا الهيئة و الشكل فهما نتيجة اجتماع أجزاء صغيرة، فتحصل من المجموع هيئة خاصة و ليس لهما فيها أيضاً صنع.