الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٩٠
ولا شك أنْ ليس المقصود بالمالكية، مطلق المالكية، فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لا يكون أبداً موجباً لصيرورة الخضوع عبادة. والبشر في عصور «العبوديات الفردية» بالأمس، و«العبودية الجماعية» في الحاضر، لا يعدون امتثالهم لأوامر أسيادهم عبادة. وإنما المقصود من المملوكية هنا، القائمة على أساس الخلق والتكوين والتسلّط على شأن من شؤون التكوين. فالمالكيات الحقيقية لها مناشئ مختلفة وهاك بيانها:
١ ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقاً، ومن هنا يكون الله سبحانه مالكاً حقيقياً للبشر لأنه خالقه وموجوده من العدم. ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة عبيداً لله، ويصفهم تعالى بأنه مالكهم الحقيقي وذلك لأنه خلقهم، إذ يقول سبحانه: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَ الأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً)[١].
ولأجل ذلك أيضاً نجده سبحانه يأمرهم بعبادة نفسه معللاً بأنه هو ربّهم الّذي خلقهم دون سواه، إذ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)[٢] ويقول جل شأنه: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْء فَاعْبُدُوهُ)[٣].
٢ ـ ويوصَف بالمالكية لكونه رازقاً ومحيياً ومميتاً، ولذلك يحس كل إنسان سليم الفطرة بمملوكيته لله تعالى، لأنَّه سبحانه مالك حياته ومماته ورزقه. ومن هنا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية الله تعالى لرزق الإِنسان وأنه تعالى هو الّذي يميته وهو الّذي يحييه، ليلفته من خلال ذلك إلى أنَّ الله هو الّذي يستحق العبادة فحسب، إذ يقول عزّ من قائل: (اللهُ الذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ)[٤]. ويقول سبحانه: (هَلْ لَكُمْ مِمَّا
[١] سورة مريم: الآية ٩٣.
[٢] سورة البقرة: الآية ٢١.
[٣] سورة الأنعام: الآية ١٠٢.
[٤] سورة الروم: الآية ٤٠.