الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٤
ثم إنَّ القاضي يرد على أدلة الأشاعرة التي نقلناها عنهم[١].
و أنت خبير بأنَّ هذه الدلائل على فرض تماميتها ترد القول بالجبر أي ارتباط أفعال العباد باللّه سبحانه و انقطاعها عن العبد و لا تثبت العكس، و أنَّ فعل العبد مخلوق للعبد لا صلة له بنحو من الأنحاء باللّه سبحانه كما هو مدّعى المعتزلة، ولأجل ذلك هنا منهج ثالث و هو الأمر بين الأمرين كما سيوافيك:
و في الحقيقة إنّ هذه الطائفة تنكر التوحيد الأفعالي الذي ركّز عليه النقل و العقل، و هو أنَّه لا خالق إلاَّ اللّه سبحانه.
توضيح ذلك: إنَّ دافع المعتزلة إلى القول بالتفويض هو الحفاظ على وصف من أوصافه سبحانه و هو «العدل». فلما كان العدل عندهم هو الأصل و الأساس في سائر المباحث، عمدوا إلى تطبيق مسألة أفعال العباد عليه فخرجوا بهذه النتيجة: إنَّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ينافي عدله. و لجأوا بعدها إلى القول بأنها من صنع العبد و ليس للّه فيها أي صنع. و لمَّا كان الأصل عند الأشاعرة هو التوحيد الأفعالي و أنه لا مؤثر إستقلالا و لا تبعاً غيره سبحانه، عمدوا إلى تطبيق هذه المسألة على أساسهم. فجعلوا أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه و ليس للعبد فيها صنع.
فالطائفتان لم تتدبرا في مسألة أفعال العباد تدبراً عميقاً، بل جعلتا النظر فيها فرعاً للنظر في الأصل الذي تبنتاه. و قد غفلتا عن أنَّ هناك طريقاً ثالثاً يجتمع فيه الأصلان: التوحيد الأفعالي و وصف العدل، مع القول بالإِختيار، كما سيتضح ذلك عند البحث عن المنهج الثالث للإِختيار.
فلنعطف عنان الكلام إلى الأصل الفلسفي الذي بُني عليه القول بتفويض أفعال العباد إلى أنفسهم.
[١] لاحظ شرح الأصول الخمسة، ص ٣٣٢ و ٣٣٦ و ٣٤٤ و ٣٤٥ و ٣٥٥ و ٣٧٢.