الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٠
الوجه الذي ذهبت إليه الأشاعرة من أنَّ ما يدخل في الوجود فهو بإرادته تعالى من غير واسطة سواء أكان من الأمور القائمة بذاتها أو التابعة لها من الأفعال بلا واسطة. فإنه رأي زائف، لما دللنا عليه من أنَّ نظام الوجود، نظام الأسباب و المسببات و أنَّه لا تتعلق إرادته سبحانه على خلق شيء بلا توسيط أسبابه و علله و قد عرفت البرهان الفلسفي على ذلك و الآيات القرآنية[١].
فالأشاعرة و إن أصابوا في القول بسعة الإِرادة لكنهم أخطأوا في جعل متعلقها نفس الفعل بلا واسطة، و لا يترتب على ذلك سوى الجبر الذي يتبنونه. بل الحق تعلق إرادته على جميع الكائنات لكن عن طريق صدورها عن أسبابها و عللها. فإنَّ القول بخروج أفعال العباد عن حيطة إرادته سبحانه لغاية تنزيهه تعالى عن وصمة القبائح و الشرور يستلزم القول بإثبات الشركاء للّه سبحانه بالحقيقة، لأنه يمثل الإِنسان خالقاً لأفعاله مستقلا في إيجادها، و هو كما قال صدر المتألهين: «أشنع من مذهب من جعل الأصنام و الكواكب شفعاء عند اللّه و يلزمهم أنَّ ما أراد ملك الملوك لا يوجد في ملكه، و أنَّ ما كرهه يكون موجوداً فيه و ذلك نقصان شنيع، و قصور شديد في السلطنة و الملكوت تعالى القيوم عن ذلك علوّاً كبيراً»[٢].
ولكنَّا، نعذّر الطائفتين، فإحداهما تعلقت فكرتها بتنزيهه سبحانه فلم تَرَ بُدَّاً من القول بعدم سعة إرادته لأفعال العباد و الأُخرى أرادت توحيده و تنزيهه من الشرك و الثنويّة فلم تر بداً من القول بسعة إرادته.
و الحق إمكان الجمع بين التنزيه و التوحيد بالبيان التالي:
الجهة الثالثة : إنَّ القول بسعة إرادته سبحانه يبتني على مقدمات ثابتة:
١ـ سعة قدرته و خالقيته سبحانه، و أنَّ كل ما في صفحة الكون من
[١] لاحظ ما ذكرناه عند البحث عن نظرية خلق الأعمال حيث قلنا بأنَّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة و هو يقتضي أن يكون التأثير ملازماً له في جميع المراتب. و لاحظ الآيات التي ذكرناها بعده.
[٢] الأسفار، ج ٦، ص ٣٧٠.