الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٣
معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً»[١]. الحديث.
و البرهان العقلي و آيات الذكر الحكيم و أحاديث العترة الطاهرة أثبتت سعة إرادته، و إنَّما الكلام في أنَّ القول بسعة الإرادة لا ينافي اختيار العبد و حريته، و هذا يبين في الجهة التالية:
الجهة الرابعة: في أنَّ سعة إرادته لأفعال الإِنسان لا يستلزم الجبر، و ذلك لأن إرادته لم تتعلق على صدور فعل الإِنسان منه سبحانه مباشرة و بلا واسطة، بل تعلقت على صدور كل فعل من علّته بالخصوصيات الّتى اكتنفتها.
مثلا تعلقت إرادته سبحانه على أن تكون النار مبدأً للحرارة بلا شعور و إرادة، كما تعلقت إرادته على صدور الرعشة من المرتعش مع العلم ولكن لا بإرادة و اختيار، و هكذا تعلقت إرادته في مجال الأفعال الاختيارية للإِنسان على صدورها منه مع الخصوصيات الموجودة فيه المكتنفة به من العلم و الاختيار و سائر الأمور النفسانية.
و صفحة الوجود الإِمكاني مليئة بالأسباب و المسببات المنتهية إليه سبحانه فمثل هذه الإرادة المتعلقة على صدور فعل الإنسان منه بقدرته المحدثة و اختياره الفطري تؤكد الاختيار و لا تسلبه منه.
و مع ذلك كله ليس فعل الإِنسان فعلا أجنبياً عنه سبحانه غير مربوط به، كيف و هو بحوله و قوّته يقوم و يقعد و يتحرك و يسكن. ففعل الإِنسان مع كونه فعله بالحقيقة دون المجاز، فعل اللّه أيضاً بالحقيقة فكل حول يفعل به الإِنسان فهو حوله، و كل قوة يعمل بها فهي قوته.
قال العلاَّمة الطباطبائي: «إنَّ الإِرادة الإِلهية تعلقت بالفعل بجميع شؤونه و خصوصياته الوجودية، و منها ارتباطه بعلله و شرائط وجوده، و بعبارة أخرى تعلقت الإِرادة الإِلهية بالفعل الصادر من زيد مثلا لا مطلقاً، بل من
[١] التوحيد، باب المشيئة و الإِرادة، الحديث ٦، ص ٣٣٨. و نظيره الحديث ١٠ و ١٣.