الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٨
بقيت أُمور يجب التنبيه عليها:
١ـ الأثر التربوي للبداء
إنَّ الأثر التربوي الذي يترتب على القول بالبداء أمر لا يمكن إنكاره، كيف و الاعتقاد بالبداء يبعث الرجاء في قلوب المؤمنين، كما أنَّ انكاره و الالتزام بأَنَّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة دون استثناء، يترتب عليه اليأس و القنوط. فيستمر الفاسق في فسقة و الطاغي في طغيانه، قائِلَين بأنه اذا كان قلم التقدير مضى على شقائنا، فلأي وجه نغير نمط أعمالنا بأعمال البر و التضرع و الدعاء.
إنَّ الاعتقاد بالبداء يضاهي الاعتقاد بقبول التوبة و الشفاعة و تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، فانَّ الجميع يبعث الرجاء في النفوس و يشرح قلوب الناس أجمعين، عصاة و مطيعين حتى لا ييأسوا من روح الله و لا يتصوروا أنَّهم إذا قدر كونهم من الأشقياء فلا فائدة في السعي و الكدح بل يعتقدوا بأَنَّ الله سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحو و الإثبات، فله أن يمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء، و يسعد من شاء، و يُشقِيَ من شاء، حسب ما يتحلى به العبد من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال أو يرتكب من طالحها و فاسدها. و ليست مشيئته سبحانه جزافية غير تابعة لضابطة حكيمة، فلو تاب العبد وعمل بالفرائض، وتمسك بالعصم، خرج من صفوف الأشقياء و دخل في عداد السعداء و بالعكس.
و هكذا كل ما قدر في حق الإِنسان من الحياة و الموت و الصحة و المرض و الغنى و الفقر يمكن تغييره بالدعاء و الصدقة و صلة الرحم و إكرام الوالدين، فالبداء يبعث نور الرجاء في قلوب هؤلاء.
٢ـ البداء ليس تغييراً في علمه و لا في إرادته سبحانه
إنَّ علمه سبحانه ينقسم الى علم ذاتي و علم فعلي، فعلمه الذاتي نفس ذاته وهو لا يتغير و لا يتبدل، و أَما علمه الفعلي فهو عبارة عن لوح المحو