الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٣٦
إِنَّ وجود الإِنسان متقدم على طبيعته و ماهيته فهو يتكون بلا ماهية و يتولد بلا قيد. ثم إِنَّه بفعله و عمله في ظل إرادته و اختياره، يصنع لنفسه شخصية. و على ذلك فما اشتهر من وجود الميول و الغرائز في الوجود الإنساني التي تضفي على وجود الإنسان لوناً و صبغة و توجد فيه انحيازاً إلى نقطة و تمايلا إلى شيء، ليس بصحيح لأن الإعتراف بوجود هذه الغرائز، سواء أكانت علوية أو سفلية يزاحم اختياره و حريته، و يسلب منه الحرية التامة و التساوي بالنسبة إلى كل شيء.
فلأجل الحفاظ على حرية الإِنسان و كونه موجوداً فعّالا بالإختيار و حرّاً في الإِنتخاب يجب إنكار كل عقيدة مسبقة (يريد نفي القضاء و القدر)، و كل مصير يجعله مسيّراً. و هذا هو المراد ممّا اشتهر منهم بأنَّ الإنسان يتكون بلا ماهية[١].
مناقشة النظرية
إنَّ للإِنسان ماهيتين:
١ـ ماهية عامة يتكون معها و يتولد بها.
٢ـ ماهية خاصة يكتسبها في ضوء إرادته عن طريق العمل.
و عدم التفرقة بين الماهيتين دفعهم إلى الإِعتقاد بتكون الإِنسان و تولده مجرّداً عن كل صبغة طبيعية و سائقة ذاتية.
أما الطبيعة العامة، فهي عبارة عن الطاقات و المواهب الإِلهية المودعة في وجوده و هي ميول طبيعية تسوقه إلى نقطة خاصة فيها سعادته أو شقاؤه و قد أعطى سبحانه، زمامها بيد الإِنسان المختار في كيفية الإِستفادة منها كمّاً و كيفاً. و نحن نعترف بأنَّ هذه المواهب و الإِستعدادات توجد في نفس الإِنسان محدودية خاصة و تحقق في وجوده انحيازاً إلى جانب، ولكنها لا تعدو عن كونها قابليات و اقتضاءات و أرضيات لأهداف خاصة، ولكن زمام
[١] عصر التجزية و التحليل، ص ١٢٥.