الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٦
مُسَيّر لا مُخَيّر، مع أنهم يعاملون الإِنسان في حياتهم معاملة الموجود المختار؟
الحق أنَّ هنا دوافع مختلفة بعضها إجتماعية و بعضها الآخر سياسية.
أما الأولى: فلأنَّ هؤلاء يريدون تجاهل القوانين و تجاوز الحدود و الحصول على الحرية المطلقة في العمل، و الإنحلال عن كل قيد و رفض كل قاعدة إجتماعية و أخلاقية. و من الطبيعي أنَّ هذا لا يجتمع مع تحمل المسؤولية المترتبة على الحرية و الإِختيار، فلا بدّ من اللجوء إلى أصل فلسفي يرفع عن كاهل الإنسان تلك المسؤولية و ليس هو إلاَّ القول بالجبر و كون الإنسان مسيّراً.
و أما الثانية: فأكثر أصحاب هذه الفِكرة هم السلطات الغاشمة الفارضة نفسها و سلطانها على الناس بالقهر، فهم يروجون تلك الفِكرة حتى يبرروا بها أفعالهم الإِجرامية.
و لأجل ذلك يصوّر شاعر مبدع العامل الأول قائلا:
سألتَ المُخَنَّثَ عَنْ فِعْلِهِ * عَلاََمَ تَخَنَّثْتَ يَا مَاذِقُ
فَقَال ابتلاني بداء عُضَال * وأَسْلَمَني القَدَرُ السَّابقُ
ولُمْت الزُّناةَ على فِعْلِهِمْ * فقالوا بِهذا قَضَى الخَالِقُ
وَ قُلْتُ لآكِلِ مَالِ اليَتِيمِ * أَكلتَ و أنت امْرُؤٌ فَاسِقُ
فَقَال وَلَجْلَج فِي قَوْلِهِ * أَكلتُ وَ أَطعَمَنِي الْخَالِقُ
وَكُلُ يُحيلُ عَلى رَبِّهِ * وَ مَا فِيهمُو أحدٌ صَادِقُ
هذا فِكْرُ جَبْريِّ العصورِ السابقة، و أمَّا الجبرىّ المادىّ المعاصر، فقد أخذ هذا المنطق و نسبه إلى العوامل المادية ليصل إلى ما وصل إليه الجبري السابق من الإنحلال من القيود.