الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٦١
في الفصل الرابع، و إنما ينكر أن يكون القضاء و القدر مبررين لطغيان الطُغاة و جرائم الطغمة الأثيمة من الحُكّام. فبالنتيجة كان معبد و أستاذه الحسن من دعاة القول بالاختيار لا من دعاة منكري القضاء و القدر. و لما كان الأُمويون، يرون أنَّ القول بالقضاء و القدر يساوق الجبر و سلب الاختيار، اتهموا القائلين به بنفي القضاء و القدر مع أنَّ بين القول بالاختيار و نفي القدر بوناً بعيداً.
و يشهد على ذلك أيضاً أنَّ غيلان يعرب عن عقيدته في محاجته مع عمر بن عبدالعزيز بالاستشهاد بقوله سبحانه: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً)، فالرجل كان يتبنى الاختيار و يكافح الجبر، لا أنَّه كان ينكر ما ثبت في الكتاب و السنَّة الصحيحة. كما أنَّه في محاجته مع ميمون بن مروان أعرب عن عقيدته بقوله: «أشاءَ اللّه أن يعصى؟» قائلا بأنَّه ليس هناك مشيئة سالبة للاختيار جاعلة الإِنسان مجرد متفرّج في مسرح الحياة.
و أظن أنَّ اتهام الرجلين و من جاء بعدهما بالقدرية تارةً (نفي القضاء و القدر بالمعنى الصحيح) أو بالتفويض و أن الإِنسان في غنى عن اللّه تعالى في أفعاله، أُخرى، لم يكن في محله. فهؤلاء كانوا يكافحون فكرة الجبر لا نصوص الكتاب و السُّنَّة. و أما فكرة التفويض فإنما تمخضت و نضجت إثر إصرار الأمويين على الجبر، و اتخذته المعتزلة مذهباً في النصف الثاني من القرن الثاني، و إلاّ فالمتقدمون عليهم حتى مؤسس الاعتزال واصل بن عطاء مُبَرُّأون عن فكرة التفويض.
فالقول بالتفويض الذي هو صورة مشوهة للاختيار، إِنَّما تولد من إصرار الأُمويين و المتأثرين بهم من أهل الحديث على القول بالجبر من جهة، و إصرار هؤلاء الأقدمين على اختيار الإِنسان و حريته في مجال الحياة. و إلا فإنّه لم يكن من التفويض أثر في كلمات الأقدمين.
و من الأسف أنَّ القول بالجبر قد بقي بين المسلمين بصورة خاصة حتى في المنهج الذي ابتدعه إمام الأشاعرة، إلى العصور الحاضرة. و المنكر إنما ينكر بلسانه ولكنه موجود في المنهج الذي ينتسب إليه.