الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٣٩
و الإثبات، فهو مظهر لعلم الله في مقام الفعل، فاذا قيل بدا لله في علمه فمرادهم البداء في هذا المظهر.
و ان شئت قلت: إنَّ مراتب علمه سبحانه مختلفة،و محالُها متعددة.
فأَولها و أعلاها العلم الذاتي المقدس عن التكثّر و التغير و هو محيط بكل شيء و كل شيء حاضر عنده بذاته. ثم يليه علمه الفعلي و له مراتب و مظاهر كاللوح المحفوظ و لوح المحو و الاثبات و نفوس الملائكة و الأنبياء. فلو كان هناك تغيير فانما هو في هذه المظاهر، و بالأخص لوح المحو و الاثبات. فيقدر في ذلك اللوح كون الشخص من السعداء و لكنه يرتكب عملا طالحاً يوجب التغيير فيه فيكتب من الأشقياء، و مثله خلافه. و إليه يشير سبحانه:
(يَمحو الله ما يَشاءُ وَ يُثبِتُ وَ عِندَهُ أُمُّ الكِتابِ).
فالظاهر من الآية أَنَّ ام الكتاب هو الكتاب الوسيع الأصيل الذى يكتب فيه تقدير الكائنات بجملتها و منها الإِنسان ، و لأجل ذلك يكون مصوناً من التغيير، لانعكاس جميع التقديرات فيه جملة واحدة و هذا بخلاف لوح المحو والاثبات فيكتب فيه التقدير الأول و لكنه لما كان مشروطاً بشرط غير متحقق، يغيره التقدير الثاني.
و بذلك يظهر أنَّ التغيير في التقدير لا يلازم في العلم التغيّر في الارادة و إنما التغيير في مظاهر علمه الفعلي أَي ما خلقه من الألواح و النفوس التى تنعكس فيها تقاديره.
و على ضوء ذلك فيما أخذه أبو زهرة المصري في كتابه (الامام الصادق)، على الشيعة الامامية في مسألة البداء ناشئ عن الغفلة عن محل المحو الاثبات و طروء التغير و التحول حيث قال: «من البداء الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال و لا شك أنَّ الزيادة في الآجال، ان أريد ما قَدَّره الله تعالى في علمه الأزلي و الزيادة عما قدر، فذلك يقضتي تغيير علم الله، وإن أُريد الزيادة عمّا يتوقعه الناس فذلك ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: