الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٥
إلى السعادة و الشقاء و يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات أنَّه (صلى اللّه عليه و اله) قرأ قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى * وَ صَدَّقَ بالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسرى)[١]. و قد ورد هذا التفسير في كلام الإِمام الطاهر موسى بن جعفر حيث يقول بعدما سُئِلَ عن قول رسول اللّه: «إعملوا فكل مُيَسّر لما خُلِقَ له»: إنَّ اللّه عزوجل خلق الجن و الإِنس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه و ذلك قوله عزوجل: (وَ مَا خَلَقْتُ الجِنَّ و الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون)، فَيَسَّر كُلا لِما خُلِقَ له، فالويل لمن استحب العمى على الهدى»[٢].
نعم حاول العلاَّمة الطباطبائي تصحيح الرواية بوجه خاص، فمن أراد الإِطّلاع عليه فليرجع إلى كلامه[٣].
الجهة الثانية ـ في معنى الرواية المروية عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)
إنَّ السعادة و الشقاء من المفاهيم الواضحة و لا يحتاجان إلى التفسير ولكنهما يتشعبان و يختلفان حسب اختلاف متعلقهما فسعادة كل شيء أن ينال ما لوجوده من الخير الذي يكمل بسببه، فهي في الإِنسان ـ و هو مركب من روح و بدن ـ أن ينال الخير حسب قواه الجسمانية و الروحية فيتنعم به ويلتذ، و شقاؤه أن يفقد ذلك و يحرم منه. و على ضوء ذلك فالإِنسان من حيث الصحة و السقم ينقسم إلى سعيد و شقي، و من حيث الغنى و الفقر في حوائج الحياة يتصف بأحدهما، كما هو كذلك إذا قيس إلى الزوجة و الرفيق و غير ذلك من ملابسات الإِنسان، فيوصف بأنَّه سعيد من هذه الجهة أو شقي.
وعلى ذلك فليس معنى السعيد على الإِطلاق الخالد في الجنَّة، و الشقي الخالد في النار، و إنّما هما من أقسامهما و مصاديقهما. نعم، المراد منهما في الآية المتقدمة هو ذاك بشهادة قوله سبحانه: (فَأَمَّا الذين شَقُوا ففي النار) و (أَمَّا الذِينَ سُعِدُوا ففي الجَنَّة). ولكنه معلوم من سياق
[١] سورة الليل: الآيات ٥ ـ ٧.
[٢] التوحيد، باب السعادة و الشقاء، الحديث الثالث.
[٣] الميزان، ج ١١، ص ٣٧ ـ ٣٨.