الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٩
و أوائل السادس قال في (الاقتصاد) ما هذا حاصله: «إنما الحق إِثبات القدرتين، على فعل واحد، و القول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاَّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، و هذا إنما يبعد إذا كان تعلق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد القدرتين المتعلقتين على شيء واحد غير محال».
ثم حاول بيان تغاير الجهتين، فلاحظ [١].
و منهم: الفاضل القوشجي حيث قال: «و المراد بكسبه إياه، مقارنته لقدرته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له»[٢].
يلاحظ عليهما: إنَّ دور العبد في أفعاله على هذا التقرير ليس إلاَّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة و الإِرادة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل، و من المعلوم أنَّ تحقق الفعل من اللّه مقارناً لقدرته، لا يصحح نسبة الفعل إلى العبد، معه كيف يتحمل مسؤوليته إذ لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوعه، و عندئذ تكون الحركة الاختيارية كالحركة الجبرية.
و الحق أنّ الأشاعرة مع أنهم مالوا يميناً و شمالا في توضيح الكسب لم يأتوا بعبارة واضحة مقنِعَة. و لأجل ذلك نرى أنَّ التفتازاني يعترف بقصور العبارات عن تفهيم المراد حيث يقول: «إن صرف العبد قدرته و إرادته إلى الفعل كسبٌ، و إيجاد اللّه تعالى عقيب ذلك خلقٌ، و المقدور الواحد داخل تحت قدرتين لكن بجهتين مختلفتين، فالفعل مقدور للّه بجهة الإِيجاد و مقدور للعبد بجهة الكسب، و هذا القدر من المعنى ضروري، و إن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه تعالى و إيجاده مع ما فيه للعبد من القدرة و الاختيار[٣].
[١] الاقتصاد في الاعتقاد، ص ٤٧، طبعة البابي الحلبي بمصر.
[٢] شرح التجريد ، ص ٤٤٥.
[٣] شرح العقائد النسفية، ص ١١٧.