الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٤
اتصاف صنف بالسعادة و صنف آخر بالشقاء من خلال اختيارهما أحد الأمرين.
قال العلاَّمة الطباطبائي: «لو تعلق علمه تعالى مثلا بأن خشبة كذا ستحترق بالنار، لا يوجب ذلك العلم وجوب تحقق الإِحتراق مطلقاً، سواء أكانت هناك نار أم لم تكن إذ لم يتحقق علم بهذه الصفة، و إنما يوجب وجوب تحقق الإِحتراق المُقَيّد بالنار لأنَّه الذي تعلق به العلم الحق، و كذا علمه تعالى بأنَّ الإِنسان سيعمل بإرادته و اختياره عملا أو سيشقى في ظل عمل إختياري، يوجب وجوب تحقق العمل من طريق إختيار الإِنسان لا وجوب تحقق عمل كذا سواء أكان هناك اختيار أو لم يكن، كان هناك إنسان أو لم يكن، حتى تنقطع به رابطة التأثير بين الإِنسان و عمله، و نظيره علمه سبحانه بأن إنساناً كذا، سيشقى بكفره اختياراً يستوجب تحقق الشقوة التي هي نتيجة الكفر الإِختياري دون الشقوة مطلقة سواء أكان هناك كفر أو لا، و سواء أكان هناك اختياراً أو لا»[١].
و أما الرواية التي استشهد بها الرازي فقد أوعزنا عند البحث عن القضاء و القدر إلى أنها أشبه بالإِسرائيليات منها بالإِسلاميات. و القرآن ينص على عدم الفراغ من العلم، قال سبحانه: (كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأْن)[٢]. و قال سبحانه: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ و يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ)[٣]. على أنَّه يمكن توجيه قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلق له»، بأن المراد من الموصول في قوله: «لِما خُلِقَ له»، هو معرفة اللّه سبحانه و عبادته، لا الكفر به و إنكاره قال سبحانه: (وَ ما خَلَقْتُ الجِنَّ وَ الإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون)[٤]. فإذا كانت الغاية من الخلقة هي العبادة، يكون كلام الرسول «اعملوا فكل مُيَسّر لما خلق له»، ناظراً إلى هذه الغاية فقط، لا
[١] الميزان، ج ١١، ص ٢١.
[٢] سورة الرحمن: الآية ٢٩.
[٣] سورة الرعد: الآية ٣٩.
[٤] سورة الذاريات: الآية ٥٦.