الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٥٠
و على ضوء ذلك فالحكم الذي يُوحَى إلى الأنبياء، تارة يكون ظاهراً في الاستمرار و الدوام، مع أَنه في الواقع له غاية و حَدَّ يعيّنه بخطاب آخر.
و أُخرى يكون ظاهراً في الجد مع أنَّه لا يكون جدياً واقعاً، بل لمجرد الاختبار و الابتلاء.
و ثالثة يوحى اليهم بالإخبار بوقوع عذاب لحكمة في هذا الإخبار، و مع ذلك لا يقع.
هذه هي الجهات التى يمكن أَن تكون مصدراً لعلمه و اطلاعه. و الكل يرجع الى وقوفه على المقتضيات و عدم وقوفه على العلة التامة. فلأجل ذلك صح له أَن يخبر عن التقدير الأول لأجل وجود المقتضى، ولو اطلع على العلة التامة لأخبر عن التقدير الثاني. ولا بعد في أن يُخفي تعالى على نبيه شرائط التقدير الأوّل وموانعه لأجل مصالح يعلمها الله سبحانه.
فقد كان هناك مصلحة في الاخبار عن تحقق ذبح اسماعيل، و نزول العذاب على قوم يونس، و كون الميقات ثلاثين يوماً، و أنَّ العروس و اليهودي يقتلان. فللَّه سبحانه في إخباره و اظهاره حكم و مصالح نقف على بعضها و لا نحيط بجملتها.
هذا كله حول مصدر علم النبي في إخباره.
و أما الثاني، و هو أنَّ إخبار النبي بشيء و عدم وقوعه يعد في نظر الناس تكذبياً للنبي. فنقول: انَّ المغيبات التي وقع فيها البَدَاء انما توجب معرضية الأنبياء لوصمة الكذب والمتقول بالخلاف اذا لم يكن هناك قرائن تدل على صدق مقالهم، و لذلك نرى أن عيسى ـ عليه السَّلام ـ لما أخبر أصحابه بأن العروس ستهلك، برهن على صدق مقاله بإراءة الأفعى تحت مجلسها كما أَنَّ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ برهن على صدق إخباره بهلاك اليهودي بالأمر بوضع الحطب فاذا أَسود في جوف الحطب عاض على عود.
و نظيره قصة ابراهيم، فإنّ في التفدية بذبح عظيم دلالة على صدق ما أَخبر به الخليل من الرؤيا. كما أنَّ الحال كذلك في قصة يونس حيث أخبر عن العذاب، و قد رأى القوم طلائعه، فقال لهم العالم: افزعوا الى الله