الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٨٤
وما هو كذلك يكون متحققاً إلزاماً، فكيف يوصف بالإِختيار.
ومبدأ الإِشكال هنا هو أنَّ مجموع الوجود الإِمكاني معلول لوجود الواجب و إرادته، فإرادته سبحانه هي العِلّة التامة لما سواه و معه كيف يتصف بعض الوجود الإِمكاني كأفعال الإِنسان بالإِختيار؟. فالإِشكالان متحدان جوهراً، مختلفان صورة و صياغة.
ولكن الجواب عن كلا الإِشكالين، واحد، ولكي يكون الجواب مناسباً لهذا التقرير نقول:
إن فعل الإِنسان إنما يتصف بالوجوب إذا نسب إلى جميع أجزاء العِلّة التّامة المنتهية إلى الواجب و إرادته، و منها اختيار الإِنسان و إرادته فإذا لوحظ الفعل بالنسبة إلى جميع أجزاء العِلّة التامة يوصف بالوجوب، و هذا مما لا كلام فيه. إلاَّ أنَّ الكلام ملاحظة الفعل قبل اجتماع أجزاء العِلّة التّامّة كالإِنسان قبل أن يريد، فلا يوصف الفعل في هذه الحالة إلاَّ بالإِمكان، و بما أن ذات الإِنسان و إرادته من أجزاء العلة أولا، و بما أنَّ الإِنسان فاعل مختار بالذات في إيجاد الجزء الأخير من العلّة التامة ـ أعني الإِرادة ـ فلا يكون الفعل بالنسبة إليه فعلا إيجابياً، بل زمام الفعل بيده، فله أن يوجد الإِرادة و له أن يترك، و قد تعلقت إرادته على اختياره أحد الطرفين باختيار ذاتي.
و بذلك يظهر أنّ نسبة الفعل تختلف حسب اختلاف المنسوب إليه، فلو نسب الفعل إلى مجموع أجزاء العِلّة التّامّة من الواجب سبحانه إلى إرادة العبد فالفعل متصف بالوجوب.
و إن نسب إلى نفس الباري سبحانه مع حذف الوسائط و العِلَل فالنسبة تنقلب إلى الإِمكان لعدم وجود العلّة التامة. كيف، و قد تعلقت مشيئته على صدور الفعل عن طريق العِلَل و الأسباب.
و إن لوحظ الفعل بالنسبة إلى نفس الإِنسان بما أنَّه فاعل مختار بالذات في إيجاد الإِرادة في ضميره و عدمه، فالفعل فعل إمكاني، إختياري.