الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٧
الحدوث دون البقاء، يشبه القول بأنَّ بعض أبعاد الجسم بحاجة إلى العلة دون الأبعاد الأخرى. فإنَّ لكل جسم بعدين، بعداً مكانياً و بعداً زمانياً، فامتداد الجسم في أبعاده الثلاثة، يشكل بعده المكاني. كما أنَّ بقاءه في عمود الزمان يشكل بعده الزماني. فالجسم باعتبار أبعاضه، ذو أبعاد مكانية، و باعتبار استمرار وجوده مدى الساعات و الأيام ذو أبعاد زمانية. فكما أنَّ حاجة الجسم إلى العلّة لا تختص ببعض أجزائه و أبعاضه بل الجسم في كل بعد من الأبعاد المكانية محتاج إلى العلّة، فكذا هو محتاج إليها في جميع أبعاده الزمانية، حدوثاً و بقاء من غير فرق بين آن الحدوث و آن البقاء و الآنات المتتالية. فالتفريق بين الحدوث و البقاء يشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه عن العلّة. فالبعد الزماني و المكاني وجهان لعملة واحدة، و بعدان لشيء واحد فلا يمكن التفكيك بينهما.
و تظهر حقيقة هذا الوجه إذا وقفنا على أنَّ العالم في ظل الحركة الجوهرية، في تبدل مستمر، و تغيير دائم نافذين في جوهر الأشياء و طبيعة العالم المادي، فذوات الأشياء في تجدد دائم و اندثار متواصل. و العالم حسب هذه النظرية أشبه بنهر جار تنعكس فيه صورة القمر، فالناظر الساذج يتصور أنَّ هناك صورة منعكسة على الماء و هي باقية ثابتة و الناظر الدقيق على أنَّ الصور تتبدل حسب جريان الماء و سيلانه، فهناك صور مستمرة.
و على ضوء هذه النظرية: العالم المادي أشبه بعين نابعة من دون توقف حتى لحظة واحدة. فإذا كان هذا حال العالم المادي، فكيف يصح لعاقل أن يقول: إنَّ العالم و منه الإِنسان إنما يحتاج إلى العلّة في حدوثه دون بقائه، مع أنَّه ليس هنا أي بقاء و ثبات بل العالم في حدوث بعد حدوث و زوال بعد زوال، على وجه الإتصال و الإِستمرار بحيث يحسبه الساذج بقاءً، و هو في حال الزوال و التبدل و السيلان: (وَ تَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جَامِدَةً و هي تَمُرّ مَرَّ السَّحَابِ)[١].
[١] سورة النمل: الآية ٨٨. البحث عن الحركة الجوهرية طويل الذيل و قد أشبع الأستاذ الكلام فيها في بعض محاضراته. لاحظ كتاب «اللّه خالق الكون» ص ٥٢٥ ـ ٥٥٥ تجد فيه بغيتك.