الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤١
مناهج الإِختيار
(٣)
الإِختيار في مذهب الأمر بين الأمرين
إنَّ أصحاب المناهج الفكرية، في مسألة أفعال الإِنسان، اعتقدوا بأنَّ الحق ينحصر في القول بالجبر أو التفويض و أنَّه ليس هناك طريق ثالث يسلكه الإنسان الباحث و يحفظ أساس القول بهما. و قد عرفت أنَّ الجنوح إلى الجبر في العُصور الأولى كان لأجل التحفظ على التوحيد الأفعالي و أنَّه لا خالق إلاّ هو. كما أنَّ الإِنحياز إلى التفويض كان لغاية التحفظ على عدله سبحانه فالأشاعرة جنحوا إلى الجبر حرصاً على الأصل الأول، و المعتزلة إلى الثاني حرصاً على أصل العدل. وكلا الطرفين غفل عن نظرية ثالثة يوافقها العقل و يدعمها الكتاب و السُّنَّة و فيها الحفاظ على كل من أصل التوحيد و العدل، مع نزاهتها، عن مضاعفات القولين، فإنّ في القول بالجبر بطلان البعث و التكليف، و في القول بالتفويض الثنوية و الشرك.
فهذه النظرية الثالثة، جامعة و حافظة لما يتبناه الطرفان من الإصول و في الوقت نفسه منزّهة عن التوالي و المفاسد. و هذا هو مذهب الأمر بين الأمرين الذي لم يزل أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ يحثون عليه، من لدن حمي و طيس الجدال في أفعال الإِنسان من حيث القضاء و القدر أو غيرهما. غير أنَّ أكثر المتكلمين من السُّنَّة لم يقفوا على تلك النظرية بتاتاً أو لم يتأمّلوا فيها. و قلّ فيهم من تأمل فيها و صرّح بصدقها كالإِمام الرّازي في