الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٥
و قد فَسر غيرُ واحد من المفسرين كلا الأجلين بما ذكرنا، و ذكر الرازي الوجه المروي عن حكماء الإسلام و قال:
«إنَّ لكل انسان أجلين أحدهما: الآجال الطبيعية و الثاني الآجال الاخترامية. أما الآجال الطبيعية فهي التي لو بقي ذلك المزاج مصوناً عن العوارض الخارجية لانتهت مدة بقائه الى الوقت الفلاني، و أمَّا الآجال الاخترامية فهي التي تحصل بالأسباب الخارجية كالغرق و الحرق و غيرهما من الأمور المنفصلة»[١].
و قال العلاّمة الطباطبائي: «إِنَّ الأجل أَجلان: الأجل على ابهامه، و الأجل المسمى عند الله تعالى. و هذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله «عِندَهُ»، و قد قال تعالى: (وَ مَا عِندَ الله باق). و هو الأجل المحتوم الذي لا يتغير و لا يتبدل، قال تعالى: (اذا جِاءَ أَجَلُهُم فَلا يَستَأخِرُونَ ساعةً و لا يَستَقدِمُون)[٢].
فنسبة الأجل المسمى الى الأجل غير المسمى، نسبة المطلق المنجز الى المشروط المعلق، فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي علّق عليه، بخلاف المطلق المنجز، فانه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة.
و التدبّر في الآيات يفيد أنَّ الأجل المسمى هو الذي وضع في أُم الكتاب، و غير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه بـ «لوح المحو و الإِثبات».
و بتعبير آخر: إنَّ أُم الكتاب قابلُ الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى أسبابها التامة التي لا تتخلف ، عن تأثيرها، و لوح المحو والإثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي يمكن اقترانهابموانع تمنع من تأثيرها»[٣].
[١] مفاتيح الغيب للرازي، سورة الأنعام، آية ٢.
[٢] سورة يونس: الآية ٤٩.
[٣] الميزان، ج ٧، تفسير سورة الانعام، الآية الثانية، ص ٩.