الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٤
الثاني، و قد عرفت أنَّ معنى الإِمكان في الوجود غير الإِمكان في الماهية و أنَّ معناه في الأول كونه متعلقاً بالعلّة و قائماً بها بجميع شؤونه و خصوصياته، و الإِمكان نافذ فيه و راسخ في واقعه رسوخ الحياة في الموجود الحىّ، و عند ذلك يكون الإِرتباط بالعلّة و القيام بها غير خارج عن واقع الوجود الإِمكاني و يكون الفقر و الربط نفس ذاته و عين واقعه، و إلاَّ فلو كان في حاق الذات غنياً ثم عرض له الفقر يلزم الخلف، و خروج الموجود الغني عن كونه غنياً، إلى حيز الفقر و الحاجة.
و على هذا الأصل، لا يمكن إنكار صلة الوجودات الإِمكانية باللّه سبحانه، من غير فرق بين الإِنسان و غيره، و تبطل نظرية التفويض القائلة بانقطاع الصلة بين المبدأ و الموجودات الإِمكانية. و هذه الحقيقة صادقة في الفواعل الإِلهية و العِلَل غير الطبيعية ففيها يصدق ما ذكرنا من الوزان و المكانة و أمَّا العلل الطبيعية فصدق العلّة عليها من باب المجاز، كما تقدم.
الثالث - وحدة حقيقة الوجود يلازم التأثير في جميع المراتب
قد وقع النزاع بين الفلاسفة في أنَّ الوجود الواجب و الوجود الإِمكاني هل هما حقيقتان متباينتان بحيث لا صلة جامعة بينهما أبداً، و أنَّ إطلاق الوجود عليهما من باب إطلاق اللفظ الموضوع لمعنيين متباينين، كالعين الموضوعة تارة للشمس و أخرى للذهب، أو أنهما من مقولة واحدة يجمعهما قدر مشترك و هو الوجود و طرد العدم و ما يفيد ذلك[١]. و أنَّ الوجود يطلق عليهما بوضع واحد و بمعنى مفرد، و إطلاق المعنى الواحد على الشيئين يقتضي وجود قدر مشترك بينهما و إلاَّ يلزم انتزاع المعنى الواحد بما هو معنى واحد من الأشياء الكثيرة التي لا جهة وحدة بينها.
[١] و هذه العناوين ليست معرفات حقيقية بل هي عناوين مشيرة إلى حقيقة مجهولة فإنَّ حقيقة الوجود لا يقدر الإنسان على دركها، لانَّ أدوات المعرفة لا تتجاوز الذهن و الذهنيات، و هي لا تدرك الحقيقة الخارجية بل المفاهيم العارية عنها كمفهوم النار. و أما حقيقة الوجود فهي نفس العينية الخارجية، فكيف يمكن أن تكون مُدرَكَة للذهن؟!.