الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٧٣
الدليل الثالث: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه، لكان عالماً بتفصيل أفعاله و هذا معنى قوله سبحانه: (ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)[١]. و بما أنَّ الإِنسان غير عالم بتفاصيل أفعاله بشهادة أنا نقصد الحركة من المبدأ إلى المنتهى، و لا نقصد جزئيات تلك الحركة، وجب القطع بأنَّ العبد غير موجد لها[٢].
يلاحظ عليه: إنَّ الفاعل لو كان قاصداً للفعل بالتفصيل، يوجده به، و لو كان قاصداً بالإِجمال يوجده كذلك، فصانع شربة كيميائية من عدة عناصر مختلفة يقصد إدخال كل عنصر فيها على وجه التفصيل، فيلزمه العلم بها تفصيلا، و القائم بالأكل و التكلم يقصد أصل الفعل على وجه التفصيل، ويقصد مضغ كل حبة أو التكلم بكل حرف و كلمة إجمالا، فيلزمه العلم بهما على وجه الإِجمال.
الدليل الرابع: لو كانت قدرة العبد صالحة للإِيجاد، فلو اختلفت القدرتان في المتعلق، مثل ما إذا أراد تعالى تسكين جسم و أراد العبد تحريكه، فإما أن يقع المرادان، و هو محال. أو لا يقع واحد منهما و هو أيضاً محال، لاستلزامه ارتفاع النقيضين. أو يقع أحدهما دون الآخر و هو أيضاً محال، لأن وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر لأن اللّه تعالى و إن كان قادراً على ما لا نهاية له و العبد ليس كذلك إلاَّ أنَّ ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة اللّه و قدرة العبد[٣].
يلاحظ عليه: إننا نختار الشقّ الآخر أي وقوع مراد اللّه دون مراد العبد لأنّ قدرة اللّه في الصورة المفروضة، قدرة فعلية تامة في التأثير و قدرة العبد قدرة ممنوعة، و من شرائط القدرة الفعلية أن لا تكون ممنوعة من ناحية قدرة بالغة كاملة. فتعلق قدرته سبحانه و إرادته على الحركة تكون مانعة
[١] سورة الملك: الآية ١٤.
[٢] الأربعون للرازي، ص ٢٣١ ـ ٢٣٢. و شرح التجريد للقوشجي، ص ٤٤٧.
[٣] الأربعون للرازي، ص ٢٣٢.