الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٩٧
على مرجح ثان و هكذا. و على الثاني يكون الفعل عند ذلك المرجح واجب الصدور عن العبد بحيث يمتنع تخلفه عنه، و إلاَّ فلو لم يكن الفعل مع ذلك المرجح واجب الصدور، و جاز وقوع الطرف الآخر، يلزم أن يكون تخصيص أحد الطرفين بالتحقق دون الآخر بلا دليل. فيجب أن يكون أحد الطرفين مع المرجح واجب الصدور و معه يكون اضطرارياً لا اختيارياً[١].
يلاحظ عليه: إنَّ كل ممكن يكون الوجود و العدم بالنسبة إليه متساويان، و يتوقف خروج الممكن عن أحد الطرفين إلى علّة تامة تجعله واجباً و تجعل الطرف الآخر ممتنعاً. و إلاَّ فلو كان ـ مع وجود العلّة التامّة ـ وقوع الطرف الآخر ممكناً للزم خروج الممكن عن مركز التساوي إلى أحد الطرفين بلا سبب و علّة و قد برهن الحكماء على قاعدتهم: «الشيء ما لم يجب لم يوجد»، بما ذكرناه. و بذلك يظهر: إنَّ التعبيرات الواردة في الاستدلال تعبيرات غير فنّية، فإنَّ وقوع الممكن لا يتوقف على وجود المرجح مع إمكان وجود الآخر، بل يتوقف على وجود علّة تامة تجعل أحد الطرفين ضروري التحقق و الآخر ممتنعه.
إذا عرفت هذا فنقول: إنَّ صدور الفعل من الإِنسان يتوقف على مقدمات و مبادئ و معدّات كتصور الشيء و التصديق بفائدته و الاشتياق إلى تحصيله و غير ذلك من المبادئ النفسانية و الخارجية ممَّا لا يمكن حصره. فربما تكون هناك العشرات من المقدمات تؤثر في صدور الفعل عن الإِنسان سواء التفت إليها الإِنسان أو لا. ولكن هذه المقدمات لا تكفي في تحقق الفعل و صدوره منه إلاَّ بحصول الإِرادة النفسانية التي يندفع بها الإِنسان نحو الفعل، و معها يكون أحد الطرفين واجب التحقق و الطرف الآخر ممتنعه. و المرجح الذي تلهج به الأشاعرة مبهم ليس شيئاً وراء تلك الإِرادة التي إذا انضمت إلى المبادئ المتقدمة عليها تخرج الفعل عن حد الإِمكان إلى حد الوجوب و تضفي على الطرف الآخر صبغة الامتناع. و ليس ذلك المرجح
[١] شرح المواقف، ج ٨، ص ١٤٩ ـ ١٥٠ بتلخيص و تصرّف.