الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٢٣
ثم استدل القاضي على مذهبه بوجوه نشير إلى بعضها:
قال: و الذي يدل على ذلك:
الأول: أن نفصل بين المحسن و المسيء، و بين حسن الوجه و قبيحه، فنحمد المحسن على إحسانه و نذم المسيء على إساءته. و لا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه و قبيحه، و لا في طول القامة و قصرها، حتى لا يحسن منا أن نقول للطويل لم طالت قامتك و لا للقصير لم قصرت. كما يحسن أن نقول للظالم لم ظلمت و للكاذب لِمَ كَذِبْت، فلولا أنَّ أحدهما متعلق بنا و موجود من جهتنا بخلاف الآخر، و إلاَّ لما وجب هذا الفصل، و لكان الحال في طول القامة و قصرها كالحال في الظلم و الكذب و قد عُرف فساده.
الثاني: إنَّه يلزم قبح مجاهدة أهل الروم و غيرهم من الكفار لأنَّ للكفرة أن يقولوا: إن كان الجهاد على ما خلق فينا و جعلنا بحيث لا يمكننا مفارقته و الإِنفكاك عنه فذلك جهاد لا معنى له.
الثالث: ما ثبت من أنَّ العاقل لا يشوّه نفسه كأن يعلق العظام في رقبته. و إذا وجب ذلك في الواحد منَّا فلأَنّ يجب في حق القديم تعالى و هو أحكم الحاكمين أولى و أحرى. و على مذهبهم (المجبرة) إنَّه تعالى شوّه نفسه وسوّأ الثناء عليه و أراد منهم كل ذلك تعالى عمَّا يقولون.
الرابع: إنَّ في أفعال العباد ما هو ظلم و جور، فلو كان تعالى خالقاً لها لوجب أن يكون ظالماً و جائراً تعالى اللّه عن ذلك.
الخامس: الإِستدلال بِعِدَّة من الآيات منها قوله: (ما تَرى في خَلْقِ الرَّحمنِ مِنْ تَفَاوُت)[١]. فقد نفى سبحانه التفاوت عن خلقه، و ليس المراد التفاوت في الخلق لوجوده فيه، بل المراد التفاوت من جهة الحكمة. إذا ثبت هذا لم يصح في أفعال العباد أن تكون من جهة اللّه تعالى لا شتمالها على التفاوت وغيره.
[١] سورة الملك: الآية ٣.