الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣١٩
و أما الثالث من العوامل أعني البيئة، فلها دور خاص في تكوين الشخصية، فالقاطنون في المناطق الحارة تختلف طباعهم و روحياتهم عمن يعيشون في المناطق الباردة، لكن العوامل الطبيعية و الجغرافية كالعاملين السابقين لا تبلغ في التأثير حدّ الجبر بحيث لا يتمكن الإِنسان من التخلص من أثرها.
فإذا كان تأثير كل منها تأثيراً اقتضائياً، فليس مجموعها أيضاً مؤثراً على وجه الإِيجاب بحيث لا يمكن تغيير آثارها بالعوامل المشابهة. و ليس الإِنسان بعدما تأثر بالوراثة و الثقافة و البيئة كمجسمة حجرية لا يمكن تغيير صفتها أو جزئها إلاَّ بالقضاء عليها، بل الإنسان بعد ذلك قابل للتأثّر و التغيير في ظل عاملين مختلفين:
١ـ التفكر و التدبّر في صالح أعماله و طالح أفعاله، و ما يترتب عليهما من الآثار و المضاعفات، سواء أكانت الأفعال مناسبة لشخصيته المكونة في ظل تلك العوامل، أو منافية لها. و إنكار ذلك إنكار للبداهة.
٢ـ الوقوع في إطار ثقافة وبيئة تختلف عمّا كان فيه، فلا شك أنَّ لهذين العاملين، حتى في السنين المتأخرة من العمر، تأثير في إزالة بعض أو كل ما خلفته العوامل السابقة. و هذا دليل على أنَّ المثلث الماضي لم يكن مؤثراً بنحو الإيجاب حتى لا يمكن التخلّف عنه، بل التأثير بشكل الإِقتضاء.
و في الختام، لا يمكن لإنسان أن ينكر دور الأنبياء و المصلحين في تغيير الأجيال و المجتمعات بعدما تمت شخصيتهم وتكونت روحياتهم و نفسانياتهم و كم لذلك من شواهد تاريخية نتركها للباحث.
***