الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٨١
المجرمين يوم القيامة: (قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَينا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْمَاً ضَالّين * رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمون)[١]. فيستظهر من إضافة الشقوة إلى أنفسهم أنَّ شقاء المجرمين كان أمراً نابعاً من ذواتهم، ولكنه ظهور بدوي يزال عن الذهن بعد التدقيق في مفاد الآيتين إذ لقائل أن يقول إنَّ في إضافة الشقوة إلى أنفسهم تلويح إلى أنَّ لهم صنعاً في شقوتهم من جهة اكتسابهم ذلك بسوء إختيارهم، و الدليل على ذلك قولهم: (رَبَّنا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون). إِذ هو وعد منهم بالإِتيان بالحسنات بعد الخروج من النار، فلو لم تكن الشقوة مكتسبة لهم بالإِرادة و الإِختيار لم يكن للوعد معنى، لكون حالهم بعد الخروج مساوية لما قبله. و هذا يدل على أنَّ المجرمين كانوا واقفين على أنَّ السعادة و الشقاء بأيديهم، فقد اكتسبوا الشقاء بسوء الإِختيار. فلما رأوا نتيجة أعمالهم، صاروا يعدونه سبحانه بأنهم إن خرجوا يكتسبون السعادة بصالح أعمالهم.
على أنَّ الإِستدلال بكلام المجرمين في يوم القيامة، بكون الشقاء ذاتياً، غير تام جداً، مع دلالة الآيات على أنهم يكذبون يومئذ، و ينكرون أشياءً مع ظهور الحق و معاينته، لاستقرار ملكة الكذب و الإِنكار في نفوسهم. قال تعالى: (ثُمَّ قِيل لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللّه قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لم نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئاً)[٢]. و قال سبحانه: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَ اللّه رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكينَ)[٣]. فإذا كان المجرم يكذب على اللّه سبحانه بهذا النحو، فلا عتب عليه أن يسند ضلالته إلى شقوته تبرئة لنفسه.
و نختم البحث برواية الصدوق في (الأمالي) عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنَّه قال: «حَقيقَةُ السعادةِ أَن يَخْتِم الرجل عمله بالسعادة، و حقيقة الشقاء أن
[١] سورة المؤمنون: الآيتان ١٠٦ ـ ١٠٧.
[٢] سورة غافر: الآيتان ٧٣ و ٧٤.
[٣] سورة الأنعام: الآية ٢٣.