الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٣
من ذلك، لو لم نقل إنها إلى الثالثة أقرب. لأن الآيات واقعة في سياق الدعوة إلى الإِيمان و الندب إلى الطاعة و ترك المعصية، فيدل على تيسير سبيل الوصول إلى كل واحد منهما. قال سبحانه: (ثُمَّ السَّبيل يَسَّرَهُ)[١]. و بذلك يظهر أنَّ القول بدلالة الآيات على الذاتيين منهما، قول بلا دليل.
و أمَّا ما اعتمد عليه الرازي من قوله: «إنَّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنَّه سعيد و على بعضهم بأنَّه شقي»، و أسماه دليلا قاطعاً، فهو بالمغالطة أشبه منه بالدليل. و ذلك لأنَّه أخذ زمان الحكم زماناً لنتيجته و أثره، فالحكم منه سبحانه و إن كان في زمن نزول الآية لكن زمان الإِتصاف هو يوم القيامة، فكيف قال إنَّه تعالى حكم الآن على بعض أهل القيامة بأنَّه سعيد (فعلا) و على بعضهم بأنَّه شقي (كذلك)، و إنما حكمت الآية في زمن النزول بأنَّ الناس يتصفون في المستقبل بأحدهما لا في زمان الحكم القائم بالحاكم. فاستفادة كون الأشخاص سُعَداء أو أشقياء بالفعل و في زمن نزول الآية ناشئ عن الخلط بين زماني الحكم و الإتصاف، فالحكم فعلي والإِتصاف استقبالي. فعندئذ لا تدل على ما يتبناه من كون السعادة أو الشقاء حليف الإِنسان و أليفه في الدنيا، و أنه بالفعل من زمن طفولته إلى كهولته و هرمه، محكوم بأحد الحكمين.
و أما إرادته سبحانه أو علمه الأزلي، فلا شك في عمومهما لكل حادثة و ظاهرة، و من المعلوم أنَّه لا يتطرق التغير إليهما و إِلاَّ عاد جَهْلا. ولكنَّ سَبْقَ تلك الإِرادة و العلم لا يستلزم الجبر لو لم نقل إنَّه يؤكد الإِختيار، لما علمت من أنهما لم يتعلقا بصدور الفعل مجرداً عن مبادئهما و الخصوصيات المكتنفة بهما، و إنما تعلقا على أن يصدر كل منهما من الإنسان بالخصوصيات الموجودة فيه، و منها الإِختيار. فقد تعلقت إرادته و قضى بعلمه سبحانه على
[١] سورة عبس: الآية ٢٠.