الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٧٢
كذباً، و علمه جهلا و ذلك محال. فثبت أنَّ السعيد لا ينقلب شقياً و أنَّ الشقي لا ينقلب سعيداً». ثم استشهد لكلامه بما روي عن عمر أنَّه قال: «لما نزل قوله تعالى (فمنهم شقي و سعيد) قلت: يا رسول اللّه فعلى ماذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه، فقال: على شيء قد فُرِغَ منه يا عُمَر، وجَفَّت به الأقلام، و جرت به الأقدار، ولكن كل مُيسّر لما خلق له». قال: و قالت المعتزلة: نقل عن الحسن أنَّه قال: فمنهم شقي بعمله و سعيد بعمله. قلنا الدليل القاطع لا يدفع بهذه الروايات و أيضاً فلا نزاع أنَّه إنما شقي بعمله و إنما سعد بعمله. ولكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللّه وقدره، كان الدليل الذي ذكرناه باقياً»[١]. فقد استفاد الرازي من الآية أنَّ السعادة و الشقاء من الأمور الذاتية للموصوف بهما حتى قال إنَّ السعيد لا ينقلب شقياً.
و أمَّا الثاني: فقد روى المحدثون عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنَّه قال: «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِىَ في بَطْنِ أُمّه. و السعيد من سَعِدَ في بطن أُمِّهِ»[٢].
تحليل الشقاوة و السعادة في الآية و الحديث
إنَّ البحث في هذا المجال يتم في ضمن جهات:
الجهة الأولى ـ في تقسيم الناس إلى شقي و سعيد.
إنَّ الناظر في الآيات الماضية لا يدرك سوى أنَّ هناك جماعة متصفون بالسعادة و أخرى بالشقاوة، و أمَّا كونهما ذاتيين لموصوفيهما أو ثابتين بإرادة أزلية لا يتخلف مرادها عنها، أو يثبتان لهما عن اكتساب و عمل مع كون الموضوعين خاليين عنهما بالنظر إلى ذاتيهما، فلا نظر في الآيات إلى شيء
[١] تفسير «مفاتيح الغيب» للرازي، ج ٥ ص ٩٣، الطبعة الأولى ١٣٠٨ هـ .
[٢] التوحيد باب السعادة و الشقاوة، الحديث ٣، ص ٣٥٦.