الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٦
(ما أصابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّه وَ مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ)[١].
فكيف التوفيق بين القضاء الثاني و الثالث.
أما الجواب، فنقول: إنَّه سبحانه نقل عن الفراعنة نظرية أشدّ بطلاناً مما نقله عن المنافقين، حيث كانوا ينسبون الحسنات إلى أنفسهم والسيئات إلى موسى ـ عليه السَّلام ـ . قال سبحانه: (وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بالسِّنِينَ وَ نَقْص مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُوا لَنا هَذِهِ * وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّروا بِمُوسَى وَ مَنْ مَعَهُ، ألا إِنَّمَا طَائرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ وَلِكنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)[٢].
و القرآن يجيب عن هذا القضاء المنقول عن المنافقين و الفراعنة، فيرد على الأول بأنَّه مبني على وجود مؤثرين مستقلين في عالم الوجود، لكل واحد فعل خاص ينافي فعل الآخر، حيث قال: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللّه فَمَالِ هؤلاءِ الْقَومِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً)[٣].
كما ردّ على نظرية الفراعنة بقوله: (ألاَ إِنَّمَا طَائرُهُمْ عِنْدَ اللّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون)[٤]. فلا كلام في بطلان ما قضى به المنافقون و الفراعنة، و إنما نركز البحث على القضاءين المختلفين الواردين في القرآن الكريم فنقول:
إنَّ المراد من الحسنة والسيئة في الآية، بقرينة وقوعها في سياق آيات الجهاد هو الغلبة فيه أو الهزيمة، فعمت الأولى المسلمين في غزوة بدر، كما شملتهم الهزيمة في أُحُد، فأراد المنافقون أو ضعفاء العقول الإِزراء بالنبي، و أنَّ الغلبة في غزوة بدر كانت من اللّه سبحانه و الهزيمة من النبي لسوء القيادة، فكانوا يتبجحون بهذه الفكرة تعييراً بالنبي و تضعيفاً لعقول المسلمين، فردّ اللّه سبحانه عليهم بأنَّ الحسنة بقول مطلق كالفتوحات في
[١] سورة النساء: الآية ٧٩.
[٢] سورة الأعراف: الآيتان ١٣٠ و ١٣١.
[٣] سورة النساء: الآية ٧٨.
[٤] سورة الأعراف: الآية ١٣١.