الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٦٠
وَ تُخْبِرُ أنَّ الإِختيارَ بأَيدينا * فمن شاء فلْيُؤْمن و من شاء فَلْيَكْفُر[١]
***
رجوع الرازي إلى القول بالأمر بين الأمرين
إن فخر الدين الرازي (ت ٥٤٣ ـ م ٦٠٦ هـ)، مع كونه متعصباً في الذبّ عن كلام الأشعري، رجع إلى القول بالأمر بين الأمرين و قال: «هذه المسألة عجيبة، فإن الناس كانوا مختلفين فيها أبداً بسبب أنَّ ما يمكن الرجوع فيها إليها متعارضة، فَمُعَوَّلُ الجبرية على أنَّه لابد لترجيح الفعل على الترك من مرجح ليس من العبد، و معوّل القَدَرية على أنَّ العبد لو لم يكن قادراً على فعل لما حسن المدح و الذمّ و الأمر و النهي». ثم ذكر أدلة الطائفتين إلى أن قال: «الحق ما قال بعض أئمة الدين إنَّه لا جبر و لا تفويض ولكن أمر بين أمرين، و ذلك أنَّ مبنى المبادئ القريبة لأفعال العباد على قدرته و اختياره و المبادئ البعيدة على عجزه و اضطراره، فالإنسان مضطر في صورة مختار كالقلم في يد الكاتب و الوتد في شق الحائط، وفي كلام العقلاء قال الحائط للوتد: لِمَ تَشُقُّني؟ فقال: سَلْ مَنْ يَدقُّني»[٢].
إعتراف شيخ الأزهر بصحة هذه النظرية
و ممن اعترف بالأمر بين الأمرين شيخ الأزهر في وقته، الشيخ محمد عبده في رسالته حول التوحيد، وقد أثّر كلامه في الأجيال المتأخرة من تلاميذ منهجه و مطالعي كتبه، قال: «جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة و قوام الأعمال البشرية، الأول: إنَّ العبد يكسب بإرادته و قدرته
[١] مقدمة الروضة البهية للشهيد الثاني، ص ١٨٨.
[٢] بحار الأنوار، ج ٥، ص ٨٢. و لا يخفى إنَّه مع اعترافه ببطلان الجبر و التفويض في ثنايا كلامه لم يفسّر نظرية الأمر بين الأمرين تفسيراً لائقاً بها.