الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٥٠
الحقيقة فلاحظ النفس الإِنسانية، و قواها، فاللّه سبحانه خلقها مثالا، ذاتاً و صفة و فعلا، لذاته و صفاته و أفعاله، قال سبحانه: (وَ فِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)[١]. و قد أُثرَ عن النبي و الوصي القول بأنَّه «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ، عَرَفَ رَبَّهُ»[٢].
إنَّ فعل كل حاسة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، فعل النفس أيضاً. فالباصرة ليس لها شأن إلاَّ إحضار الصورة المُبْصَرة، أو انفعال البصر منها، و كذلك السامعة، فشأنها إحضار الهيئة المسموعة أو انفعالها بها، و مع ذلك فكل من الفعلين، كما هو فعل القوة، فعل النفس أيضاً، لأنها السميعة البصيرة في الحقيقة و ليس شأن النفس استخدام القوى بل هو فوق ذلك. لأنّا إذا راجعنا إلى وجداننا نجد أن نفوسنا بعينها الشاعرة في كل إدراك جزئي و شعور حسّي، كما أنها المتحرك بكل حركة طبيعية أو حيوانية منسوبة إلى قواها. و بهذا يتضح أنَّ النفس بنفسها في العين قوة باصرة و في الأُذن قوة سامعة و في اليد قوة باطشة، و في الرجل قوّة ماشية، و هكذا الأمر في سائر القوى التي في الأعضاء، فبها تبصر العين و تسمع الأُذن و تمشي الرجل. فالنفس مع وحدتها و تجردها عن البدن و قواه و أعضائه، لا يخلو منها عضو من الأعضاء عالياً كان أو سافلا، و لا تبائنها قوة من القوى، مدركة كانت أو محركة، حيوانية كانت أو طبيعية.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّه كما ليس في الوجود شأن إلاَّ و هو شأنه، كذلك ليس في الوجود فعل إلاَّ فعله، لا بمعنى أنَّ فعل زيد مثلا ليس صادراً عنه، بل بمعنى أنَّ فعل زيد مع أنَّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل اللّه بالحقيقة. فكما أنَّ وجود زيد بعينه أمر متحقق في الواقع منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز، و هو مع ذلك شأن من شؤون الحق الأول، فكذلك
[١] سورة الذاريات: الآيتان ٢٠ و ٢١.
[٢] غُرَرُ الحِكَمْ،ص ٢٦٨، طبعة النجف. و روي عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ قوله: «أَعْلَمُكُمْ بنفسه أعلمكم بربه». أمالي المرتضى، ج ٢، ص ٣٢٩.