الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٧
لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً و هو يعلم أنّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر و يهلكه، فإذا وقع السيف وقتل، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف دون صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده.
و لو فرضنا أنَّ رجلا أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده و تنفيذ إرادته فَقَتَل هو به رجلا، فالأمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشِر دون من أعطى.
ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاَّ بإيصال رجل آخر التيار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوة و نشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آن انقطعت القوّة عن جسم هذا الشخص في الحال و أصبح عاجزاً. فلو أوصل الرجل تلك القوّة إلى جسم هذا الشخص فذهب باختياره وقتل إنساناً و الرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كل منهما، أمَّا إلى المباشر فلأنه قد فعل باختياره و إعمال قدرته، و أمَّا إلى الموصل فلأنه أقدره و أعطاه التمكن حتى في حال الفعل و الإِشتغال بالقتل، و كان متمكناً من قطع القوة عنه في كل آن شاء و أراد.
فالجبري يمثل فعل العبد بالنسبة إلى اللّه تعالى كالمثال الأول، حيث أنَّ اليد المرتعشة فاقدة للإِختيار و مضطرة إلى الإِهلاك.
كما أنَّ التفويضي يمثل نسبة فعله إليه كالمثال الثاني، فهو يصوّر أنَّ العبد يحتاج إلى إفاضة القدرة و الحياة منه سبحانه حدوثاً لا بقاء و العلّة الأولى كافية في بقاء القُدرة فيه إلى نهاية المطاف، كما أنَّه كان الأمر في المثال كذلك فكان الإِنسان محتاجاً إلى رجل آخر في أخذ السيف، و بعد الحصول عليه انقطعت حاجته إلى المعطي.
و القائل بالأمر بين الأمرين يصوّر النسبة كالمثال الثالث، فالإِنسان في كل حال يحتاج إلى إفاضة القوة و الحياة منه إليه بحيث لو قطع الفيض في آن