الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٦
فعله سبحانه بحيث يكون منقطعاً عن العبد بتاتاً و يكون دوره دور المحل و الظرف لظهور الفعل، كما أنَّه ليس فعل العبد فقط حتى يكون منقطعاً عن الواجب، قضاءً بكون الفعل بل الفاعل، أمرين ممكنين غير مستغنيين عن الواجب في آن من الآنات.
و في هذه النظرية جمال التوحيد الأفعالي منزّهاً عن الجبر. كما أن فيها محاسن العدل منزّهاً عن مغبة الشرك و الثنوية، يدرك ذلك كل من أمعن النظر. و ينطبق عليها قول الإِمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «اليمين و الشمال مَضَلَّة، و الطريق الوُسْطى هي الجادّة عليها باقي الكتاب و آثار النُبوّة»[١].
هذا إجمال النظرية حسب ما تسوق إليه البراهين الفلسفية، ولكن رفع الستار عن وجهها يحتاج إلى تمثيل يحقق واقعية النظرية بشكل محسوس.
وما ذكروا من الأمثلة يختلف حسب إدراك الممثل حقيقة هذه النظرية و إليك بعضها.
أ ـ اللّه فاعل بالتسبيب و العبد بالمباشرة
إنّ كثيراً من محققي الإِمامية صوّروا هذه النظرية بما يوجبه هذا العنوان فجعلوا نسبة الفعل إلى اللّه نسبة تسبيبية و نسبته إلى العبد نسبة مباشرية بحجة أنَّ اللّه سبحانه وهب الوجود و الحياة وا لعلم و القدرة لعباده، و جعلها في اختيارهم. وأنَّ العبد هو الذي يصرف الموهوب في أي مورد شاء، فينسب الفعل إليه سبحانه لأجل كونه معطي المبادئ و مفيض الوجود والقُدرة، و إلى العبد لأنه الذي يصرفها في أي مورد شاء. و المثال الذي يبين حقيقة النظريات الثلاث في هذا المجال هو ما ذكره المحقق الخوئي في تعاليقه القيّمة على أجود التقريرات، و محاضراته الملقاة على تلاميذه و إليك خلاصة البيان، قال:
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٦.